قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الخامس ( وعد )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الخامس

( وعد )

انتهى الطبيب لتوه من فحصها بدقة كما طلب يوسف في وجلٍ شديد على محبوبتهِ الصغيرة، ألقى الطبيب عليه تعليماته بالراحة التامة والطعام الصحي وبعض الأدوية ك خافض الحرارة وما شابه ذلك.

نفّذ يوسف ووفر لها الراحة التامة آملا في معافاتها عاجلًا، عدل وسادتها تحت رأسها في وضعٍ مُريح وهو يميل عليها قليلًا سائلاً إياها باهتمام ونبرة حملت في طياتها فيضا من الحنان:

- أحسن دلوقتي يا روما؟
هزت رأسها إيجابا وأجابت بصوت رقيق:
- الحمدلله كويسة يا يوسف..
منحها ابتسامة راضية وهو يقول مرددًا:
- يارب دايمًا يا روح يوسف، شوفتي أخرة لعبك تحت المطر عمل فيكِ إيه؟
زفرت بإرهاقٍ بينما تردد متذمرة بغضب طفولي:
- خلاص بقى يا يوسف مش إحنا انتهينا من الموضوع دا؟

ضحك قائلًا بغمزة:
- خلاص من غير عصبية بس، براحة عليا يا رومتي أنااا
ابتسمت رغمًا عنها وهي تشيح بوجهها للناحية الأخرى، فتابع يوسف متنهدًا بحب:
- عاوزك تخف عشان كتب الكتاب يا جميل..
عادت تنظر له بشرود وقد لمعَ الحُزن بعينيها الصافيتين، كشر يوسف عن جبينه مخبرًا إياها بهدوء صارم:
- مريم، مش عاوزك تقلقي من حاجة خالص، ماحدش يقدر يقرب منك ولا يزعلك، ثقي فيا يا روما.. ممكن؟

أومأت موافقة وهي تقول بمشاكسة:
- ممكن يا سيدي، ها هنروح نجيب الفستان إمتى؟
ضحك وأخبرها:
- أما تخفي يا قلبي..
قالت في سرعة:
- خفيت بقى أنا عاوزة الفُستان أحمر ويكون حمالاته رفيعة وضيق من فوق ونازل بوسع من تحت و...
بتر عبارتها حين قال بملامح متجهمة:
- حمالات؟ وضيق من فوق؟ وكمان أحمممر؟! مين قالك إنك هتلبسي فستان يكشف منك حاجة أصلا؟

حاولت الاعتدال فلم تستطع.. وتابعت بغيظ رغم ارهاق صوتها:
- ليه ؟
تابع بجدية حازمة:
- عشان أنا مش عاوزك تلبسي كدا، إلبسي حاجة محتشمة وهادية دا كتب كتاب عائلي مش فرح العمدة هو يعني يا روما!
لم ترضيها كلماته لتردف بضيق شديد:
- لا عاوزة فرح وهلبس الفستان اللي يعجبني يا يوسف، دا كتب كتابي أنا وأنا حرة أنت مالك؟!
رفع أحد حاجباه متابعا بلهجة صارمة:
- دا كتب كتابك لوحدك؟ ما أنا اللي هكتب عليكِ يا روحي، يعني الكلمة اللي أقولها تتسمع وتتنفذ فاهم يا جميل؟

أومأت سلبًا وقالت:
- مش فاهمة، مش هسمع كلامك أساسا.
ضيق عيناه بمكر وهو يقترب منها هامسًا بتنهيدة عميقة:
- ممم خلاص أوك، مالكيش دعوة بيا بقى لمدة شهر كدا على الأقل، وتنسي يوسف خااااالص خاااالص!
رمشت عدة مرات قبل أن تقول بقلة حيلة ؛
- مش عاوزة ألبس فستان مين قالك إني هلبس؟.. وياريت منعملش أي دوشة كدا ويبقى عائلي...

كتم ضحكاته بصعوبة وهو يهمس غامزًا بغزل:
- أحبك وأنت بتسمع الكلام.. مش هتقولي كلمة حلوة كدا قبل ما تنام؟
- أنت بتقول شعر يا يوسف؟
- حد يقعد مع الحُب وميقولش شعر دا حتى يبقى جبلة!
زفرت بضيق رغم مزاحهُ، ليضحك قائلًا ؛
- فُكي بقى يا روما، وبطلي دلع عاوز أروح الشغل همام هينفخني

ارتعشت ما إن قال جملته الأخيرة، ليظهر الخوف جليًا بعينيها وهي تقول:
-يوسف أنت هتسبني وتمشي؟
تنهد قائلًا برفق:
- والله يا حبيبي لو عليا مش عاوز أسيبك خالص بس أعمل إيه في شغلي بس..
ترقرقت عينيها بالعبرات، ثوانِ معدودة وكانت تجهش في بكاءً ناعمًا هز قلبه وحرك مشاعرهُ الخامدة، بينما دقات قلبهُ تتقافز في سرعة وهو يطالعها بابتسامة عذبة اِفتر ثغره عنها، وراح يقول بهدوء:

- ليه البكاء دلوقتي يعني؟!
فقالت من بين دموعها:
- أنا هخاف أقعد هنا من غيرك، عشان خاطري خليك جنبي عشان خاطري يا يوسف..
ماذا يفعل معها؟ تدللت وانتهى الأمر.. فليذهب العمل للجحيم وكُل شيء يذهب معه، سيبقى معها ولأجلها...
ووالده؟
فلينتظر إذن.. هكذا حدث نفسه، ثم قال بصوت يحمل في طياته عواطف قوية:
- يولع الشغل يا حبيبتي، إن شاء الله حتى أبويا يرفدني وأشحت على باب السيدة فداك يا قمر، المهم مشوفش الدموع دي أبدا..

ابتسمت له ابتسامة عاشقة تعبر عن مدى سعادتها ثم وبدون سابق إنذار تعلقت بعنقه قائلة بفرحة عارمة:
- ثانكيو يا حبيبي، ربنا يخليك ليا جدا..
يوسف وقد تصنع الجدية في قوله:
- يخليك ليا جدا؟ أنتِ لسه سخنة أكيد، ممكن بس تفكي ايدك عن رقبتي عشان أنا بنهار دلوقتي؟
بالفعل تركته بخجل وقد أغمضت عينيها قائلة:
- أسفة.

للحظة تاه في ملامحها الذي يعشقها بشدة وكاد يقترب أكثر فأكثر،لكنه توقف قائلًا بأنفاس متسارعة:
- اللهم أخزيك يا شيطان!
هب واقفًا عن مجلسه وهو يقول بزفرة قصيرة:
- خمسة هعتذر لهمام وراجع وبالمرة أشم شوية هوى بدل ما أطب ساكت..
توجه إلى الشرفة وضحكاتها الناعمة تلاحقهُ، ليحدث نفسه مغتاظًا:
- اه يانا من دلالك..
آتاه صوت والدهُ عبر الهاتف شاتما، فتنحنح يوسف وقال بتهذيب قدر استطاعهُ:
- إحم.. ليه كدا يا حاج همام؟ بتشتم ليه دلوقتي؟

فقال والده مزمجرًا:
- أنت فين يا زفت لحد دلوقتي، بتستهبل يعني ولا إيه؟
يوسف وقد حك صدغه بإبهامه متابعا:
- أشكرك، أنا في البيت.. أنت متعرفش إيه اللي حصل أصلا!
والده باهتمام رغم انفعاله:
- حصل إيه؟
فقال يوسف مُهولًا الأمر:
- مريم يا بابا مريم، أسكت أسكت متعرفش إيه اللي حصلها!
والده وقد قال بقلق بالغ:
- مالها يابني مريم، انطق جرى لها إييييه؟
أخبره يوسف بهدوء حزين:
- تعبت أوي، فجأة سخنت واحمرت ووشها بقى أصفر زي اللمونة!

والده بنفاد صبر:
- هااا وبعدين؟
- جبتلها الدكتور
- وقال إيه
- شوية برد متقلقش
أطلق والده سباب بعنف وهو يهتف غاضبا:
- لما أشوفك يا إبن تهاني، وقعت قلبي يا جزمة، بقولك إيه خمس دقايق وتكون عندي أنت فاهم؟

يوسف وهو يقول ببساطة:
- بصراحة كدا وبدون زعل يا حاج أنا مش جاي، اتصرف النهاردة محبكتش يعني، مريم خايفة تقعد لوحدها هنا وأنت عارف إن فيه اتنين مش طايقينها أمي والحرباية التانية دي.. قلبها في دماغك كدا وفكر كويس، قدر جيت وحصل كارثة هترجع تقول ياريت اللي جرى ما كان صح؟
تابع والده وهو يصر على أسنانه بقوة:
- اترزع يا يوسف بس والله ما أنا عاتقك خد النهاردة بمزاجي ها، وبكرا لينا كلام تاني!
ابتسم يوسف وقال مراوغا:
- أنا محتاج أجازة عشان أنا عريس وكدا

أغلق والده الخط بنفاد صبر في وجهه،ليضحك يوسف مقهقها ويخرج من الشرفة إلى الغرفة هاتفا بمزاح:
- أي خدمة يا روما، همام إداني إفراج أخيرًا بس مسخرني أخر مسخرة.
ضحكت قائلة بنعومة:
- معلش يا حبيبي، لما يجي عمو هقوله أنا اللي قلت لك..
يوسف بمرح:
- إذا كان كدا ماشي يا رومتي...

 

بعد مرور إسبوع..

حفل عائلي بسيط للغاية، موسيقى هادئة، حركات ساكنة، وهناك ابتسامات راضية... ونظرات شرسة حاقدة!
كان يوسف في سعادة عارمة، وفرحة تغمر قلبه المتقافزة دقاته عشقًا..
فاليوم.. مميز.. رائع.. مبهج.. تمناهُ طويلًا..
صغيرته التي تربت على يده ستُكتب اليوم على إسمه، ستكون زوجته وهو قد وعدها أن لن تفارقها الابتسامة يومًا...

لكن يبدو أن الصغيرة تبكي اليوم، وتبدو عيناها حزينتان تترقرقان بالعبرات، رغم جمالها الآخاذ وأناقتها وطلتها المُتألقة في فُستانها المُحتشم صاحب اللون الأحمر القاني!
تشعر أنها وحيدة.. لم تكن والدتها جوارها ولم يكن لها شقيقة.. ولم يكن لها أب يضع يده في يد حبيبها.. تلك الأشياء الهامة التي افتدقتها للأبد تركت أثرًا بقلبها الصغير...
جففت عبراتها سريعًا وهي تحاول ضبط هيئتها، وراحت تعدل من خصيلات شعرها الناعمة وهي تغتصبُ ابتسامة على شفتيها..

طُرق الباب ودق قلبها معه، نهضت واقفة فقد علمت أن الآتي هو..
فتح الباب وولج بكامل أناقتهُ المعهودة، افتر ثغره عن ابتسامة سعيدة وهو يتقدم منها بهدوء، وما إن لمح الحُزن بعينيها تلاشت ابتسامتهُ فورًا، وراح يسألها في لهفة:
- مريم أنتِ بتبكي؟
حركت رأسها بنفي، ثم أخبرته هامسة:
- أبدًا يا حبيبي، دا أحلى يوم في عمري هبكي إزاي؟
لم يقتنع بقولها، ليقول بإصرار:
فيكِ إيه يا مريم؟ هتخبي عليا؟ أنتِ زعلانة من حاجة وجدا كمان!

نظرت إلى الأرض بصمت وهي تجاهد في حبس عبراتها التي هددتها سريعًا بالإنفجار، لتقول بصوت خافت للغاية:
- مافيش، كان نفسي ماما تبقى معايا في اليوم دا، زيي زي كل البنات.. بس خلاص ماتشغلش بالك يا يوسف، أنت كفاية أوي وبمجرد ما شُفتك دلوقتي كل حاجة بقت كويسة..

أخبرها يوسف بنبرة واعدة محملة بالدفئ:
- أوعدك إني أعوضك عن أي حاجة يا روما، واثقة فيا ولا لا؟
أومأت بلا تردد قائلة:
- واثقة أوي يا يوسف.. وأنت واثق فيا؟
ضحك بخفوت مقلدًا صوتها:
- واثق أوي يا مريم..
استطردت بنبرة جادة:
- مهما حصل يا يوسف هتفضل واثق فيا، وهتفضل تحبني بنفس الدرجة، أوعدني يا يوسف..

- أوعدك يا روما، أوعدك بجد..
أخبرها بوعده ثم تابع في مزاح:
- شوفي حتى كسرتي كلامي ولبستي الأحمريكا!
مطت شفتيها متابعة في تذمر:
- ما هو محتشم أهو يا يوسف، الله!
- لينا كلام تاني بعد كتب الكتاب على فكرة!

غمز لها بنبرة ذات معنى جعلها تتورد خجلًا بشدة وراحت تتأبط في ذراعه وخرجا معا من الغُرفة، ثم هبطا الدرج حيث والده.. ووالدته وشقيقته وبعض المقربين مثل خالته ونهال.. التي بكّت بالفعل على تلك الزيجة.. بينما ترمق خالتها بعتاب، حيث سيتم عقد القران ولم توفي بوعدها بعد بإفساد علاقتهما!
تم عقد القران رغمًا عن تهاني، وبرضى تام من والده وشفيقته يُسر التي سعدت لسعادتهما..

لتبقى مريم زوجتهُ رسميا وشرعيا..
ويبدو أن افساد لحظاتهما الأولى معا قد أتى، حين تقدم منها أحد الخدم وبيده باقة من الزهور قائلًا:
- الورد دا عشانك..
تعجبت مريم وهي تلتقطه بيدها قائلة بابتسامة عفوية:
- مين اللي بعتلي ورد
بينما وقعت عيني يوسف على الكارت الموضوع داخل الباقة ليقوم بجذبه ثم قراءته، وتتوسع عيناه في دهشة وهو يقرأ محتواه:
- ألف مبروك يا روما، يا بختهُ بيكِ...
ثم توقيعه أسفل الكلام! .

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية