قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثاني عشر والأخير ( أحبك للنهاية )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثاني عشر

( أحبك للنهاية )

نجحت في الفِرار منه دون تلبية طلبهُ، وبدلالها خضع لها بالطبع! فهي من تأسره بعشقها الآخاذ..
لكنهُ لم يكُف عن مُغازلته لها وتدليله الخاص..
- طب كويس إنك بتسمعي كلام يُسر، ليه ما تحاوليش تعملي زيها؟
أردف يوسف بتلك الكلمات بنبرة ثابتة، وابتسامة عذبة تٌزين ثغره، فتابعت مريم متساءلة بعدم فِهم:

- إزاي؟
أجابها بتنهيدة عميقة ولهجة تحمل البساطة:
- أقصد يعني في لبسها، جميل ومحتشم وفي نفس الوقت شيك، أنا مش هضغط عليكِ ولا عاوز أضغط بس أنا مش عاجبني لبسك يا روما ولا عاجبني إنك مش محجبة أصلا! بس سايبك على راحتك فترة..
زمّت شفتيها في هدوء قبل أن تخبره بعفوية:
- بس أنا لبسي مش ضيق، بسمع كلامك وألبس واسع، الحجاب خطوة حاسة إنها كبيرة عليا وممكن مأعملش بيه وربنا ممكن يغضب عليا لو ماعملتش بيه!

منحها ابتسامة خفيفة وهو يردف موضحا:
- ربنا هيغضب عليكِ عشان أخدتي خطوة في رضاه؟، مش صح طبعا، الحجاب طاعة لوحده ولو أخدتيها هتؤجري عليها، مافيش حاجة اسمها لازم أعمل بيه، فيه حاجة اسمها دا هيسترني وهيرضي ربنا وتقولي ربنا يقدرني أكتر وأطيعه في كل حاجة، فهمتِ؟
هزت رأسها بإيجاب بينما تواصل:
- أيوة، طيب أنا مش عندي لبس زي بتاع يسر، أعمل إيه؟

يوسف وقد رد هادئا:
- أشتريلك اللي تشاوري عليه يا روما، بس كدا؟ وبالمرة نشتري لاوازم الفرح والحاجات الحلوة بتاعة العرايس دي..
أنهى جملته بغمزة وقحة من عينه، فصعدت حُمرة الخجل إلى وجنتيها بتدفق، وفركت كفيها معا في توتر وهي تستطرد:
- أنا مش عارفة هجهز إزاي للفرح يا يوسف، يعني أعمل إيه وأبدأ منين مش عارفة..
أطال النظر إليها مبتسما، هو يعلم أنها لا تفقه الكثير عن مطلبات الزواج والتجهيزات اللازمة، وهو سيصعب عليه ادراك حاجة الفتيات في هذا الوقت، لذا بادر يقول وهو يمسح فوق شعرها برفق حنون:
- يُسر هتكون معاكِ وتجهزوا مع بعض، اه وصحيح دادة عطيات هديكِ من خبرتها برضوه اسأليها واستعيني بيها، وطبعا أنا معاكِ يا حبيبي بس الحاجات دي مش بفهم فيها أوي بس لو عاوزاني أفهملك مخصوص يعني وكدا..

تعالت ضحكاته وهي تلكزهُ في ذراعه بقبضتها، بينما يتورد وجهها بشدة جراء غمزاتهُ ونظراته، تنهدت بضيق رغم قربه الذي يجعلها وكأنها تطير فرحا، أخبرته بحزن لمع بعينيها الواسعتين:
- هنتجوز إزاي ومامتك مش موافقة يا يوسف؟.. أنا خايفة..
لم يرد بأن تُفسد لحظته معها ولهذا قال بإيجاز:
- متخافيش، هي ميسرها تعرف الصح، ومسيرها تهدى بالله وتعيش مع الأمر الواقع وتنسى الماضي، بس عاوزك متفكريش كتير، وسبيها على الله وطالما أنا جنبك خلاص ماحدش هيقدر يعملك حاجة، وبالمناسبة بابا طرد نهال من البيت وخلاص هتبعد تماما..

صمتت تتنهد بحزن دفين، فرفع ذقنها بأصابعه إليه وأخبرها بنبرة حنون:
- ممكن الجميل مايزعلش، عشان أنا مش بحبه يزعل! وكمان لازم الجميل يعرف إني بحبه للنهاية وهفضل أحبه مهما حصل، ممكن؟!
افتر ثغرها عن ابتسامة سعيدة وهي تومئ برأسها مع قولها بامتنان وصدق:
- هفضل أحبك لحد آخر نفس فيا..

 

صدح هاتفها عاليًا ينبئ عن اتصال، التقطه بضجر وهي تنظر إلى شاشته متأففة، فقد كانت نهال وهي تمر بمرحلة مرهقة نفسيا وجسديا وتلك تثرثر كثيرًا رغم أنها تحبها..
لذا لم ترد فأعادت نهال الاتصال مرارًا وتكرارًا، اضطرت لأن تجيب عليها، فوضعته على أذنها بعد أن ضغطت زر الاجابة، أردفت مغمضة العينين بتعب:
- أيوة يا نهال..
تابعت نهال بتمردٍ منها معتاد:
- فينك يا أنطي، مش بتردي ليه على اتصالاتي كل دا؟
أجابتها تهاني باختصار:
- ما أنتِ عارفة إني تعبانة، وأكتر الأوقات مبقدرش أتكلم!

تنهدت نهال بلا اكتراث بينما تواصل:
- ألف سلامة، أخبار يوسف إيه؟ خلاص مش هنقدر نكمل الخطط بتاعتنا؟
ترد تهاني بضيق شديد:
- الظاهر إن النصيب أقوى من خططنا يا نهال، خلاص مبقاش عندي طاقة أعمل أي حاجة، إبني مصر عليها وهمام هيطلقني، خلاص أعمل إيه تاني!.. أنا هبعد عن حياتهم كلهم بكرامتي وهعيش بعيد وأنتِ سبيني في حالي..
أغلقت الهاتف ما أن أنهت الحديث، لتحدق في الفراغ بنظرة حزينة، لا تعلم أهو حزن أم ندم؟ وهل عادت تهاني إلى رشدها؟ ..

مر إسبوعين، استعادت مريم جزءً كبيرًا من عافيتها وحيويتها ووميض روحها المرحة، أما عن يوسف فكان بجانبها دائمًا رغم حنق السيد همام والده والذي وبخه بما يكفي وأحيانا كان يقذفه بنعله غير مباليا بمن حوله، والأخير كان يقهقه ضاحكا فوالده يبدو كوميديا دائما رغم عصبيته المفرطة...
لكنه يستطيع دائما تهدئته بأسلوبه الخاص..

وها هو معه داخل أكبر محلات الملابس الرجالي الكلاسكية ذات الماركة، ينتقي بذلة تليق به استعدادًا لزفاف ابنه على ابنة أخيه، ولابد بأن يظهر بمظهر يليق بهمام الرجُل الخمسيني الوقور ذا الروح الشبابية..
وقف أمام المرآة يتطلع إلى هيئته وهو يسأل بجدية تامة وملامح جامدة:
- ها يالا كدا حلو ولا أشوف واحدة غيرها؟
يوسف وهو يتجول بعينيه على بذلته الأنيقة صعودًا وهبوطًا بابتسامة استفزته، لينهره همام قائلًا بغضب:
- ما تنطق، ساكت ليه؟!

ضحك يوسف مندهشا وهو يقول من بين ضحكاته:
- أديني فرصة، بدرس الأمر عشان أديك قرار نهائي يا حاج..
- تدرس؟ تدرس إيه يا بغل، ما تنجز في ليلتك!
قهقه يوسف مجددًا وهو يقول متعمدًا إغاظته:
- مش حلوة، شوفلك غيرها حاسك مراهق كدا وأنت لابساها..
كظم غيظه وهو يعود ينظر إلى المرآة بحنق واحباط، ليهتف بضجر:
- بس أنا شايفها حلوة ومناسبة، ولا أنت خايف ليقولوا أبو العريس أحلى من العريس نفسه؟

يوسف وقد رفع أحد حاجباه متابعا ؛
- دا شيء يسعدني يا حاج همام، بس أنت فاهمني غلط وخلقك ضيقك، خليك رويح كدا، أقولك خدها مبروك عليك وخلاص..
همام بضيق:
أنت بتهاودني وخلاص؟
يوسف بملل:
- حلوة وبعدين أنا العريس ولسه ماجبتش بدلتي، أنت مستوعب؟

همام بنبرة ثلجية متعمدة اغاظته:
- أنا أهم..
تركه يوسف وأخذ يتفحص المكان قائلًا:
- طب مع نفسك بقى..
ضحك همام وهو يقول جملته المعتادة:
- ماشي يا جزمة!

في اليوم الموالي..

طرقت يُسر باب غرفة والدها الذي فتح بابتسامة عريضة يقول بنبرة مرنة:
- صباح الخير يا حبيب بابا..
بدا وجه يُسر شاحبا وهي تناظره بخوف بينما تهتف:
- بابا..، ماما مش في البيت، شكلها مشيت وسابتنا، دورت عليها في كل البيت مش موجودة!
صدمت ملامحه قليلًا، لكنه حافظ على اتزانه وهدوئه وهو يقول:
- يمكن راحت عند أختها!..

أردفت يسر نافية:
- كلمتها مراحتش، مش عارفة أنا قلقانة عليها أوي يا بابا
همام بتفهم يقول بهدوء:
- إهدي، أمك مش صغيرة وهي محتاجة تبعد لعلها تعيد حسابتها يا يُسر!

رتبت أشيائها في ضلفة خزانتها بسعادة عارمة والتي قامت بشراءها ليلة أمس بصحبة يُسر والسيدة عطيات، التي ألقت عليها النصائح وما يجب فعله في حياتها الزوجية بما فيها من واجبات عليها ونهج تسير عليه، وأنصتت مريم لها باهتمام ثم شكرتها ممتنة لها، كان يتابعها بعينين مشعتين حبا وهو يستند إلى الباب مبتسما، ما إن انتهت هي التفتت إليه تبادله ابتسامته العذبة تلك، اقتربت منه وهي تسأله بدلال قاصدة إياه:

- بتبص على إيه؟
أرجع خصلة من شعرها خلف أذنها وراح يهمس بمراوغة:
- على حاجاتي..
رفعت حاجبيها مندهشة تسأله بتذمرٍ طفولي:
- حاجاتك إيه؟ دي حاجاتي أنا!
ضحك مستمتعا ليواصل غامزًا:
- لا الحاجات اللي في الدولاب دي بتاعتي أنا، بما إنك هتلبسيها ليا تبقى ليا!
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل سريعًا وهي توكزه في معدته قائلة:
- بطل بقى يا يوسف، بتكسفني بكلامك!
راح يُقبل جبينها بحُب،بينما يخبرها:
- بحبك؟
افترت شفتيها بابتسامة ناعمة وصمتت، فعاد يكرر بتنهيدة حارة:
- بقول بحبك؟
أطلقت ضحكة خجلة وهي تخبره كذلك:
- وأنا كمان!
زمّ شفتيه قائلًا:
- لا مش كدااا!
ضحكت بدلالٍ وأخبرتهُ ثانيةً:
- بحبك..

اليومِ الموعود، اليوم المنتظر، ها هي الصغيرة أصبحت عروس في غاية الجمال، تأسر من ينظر إليها صغير كان أو كبير..
جمالها آخاذ توهج عقب ارتدائها فستان الزفاف، لتبقى أميرة يتحاكى عنها الجميع بانبهار بالغِ..
أما عنه فكان تائهُ وكيف لا يتيه، فالأميرة تتألق بابتسامتها الناعمة التي وهجت مشاعره الجياشة، فغر فاهُ وعيناه قد فُتحا بانبهار وهو يقترب منها رويدًا حتى وصل إليها، بينما يهمس متنهدًا وهو يستعيد ثباته:

- فين روما؟ مشوفتهاش؟
ضحكت بخفوت وبصوت لا يسمعه إلا هو همست:
- مين روما دي؟
التقط كف يدها بين راحة يده وراح يضغط عليه برفق مع اعترافه:
- حتة من قلبي، حبيبتي الصغيرة ودلوعتي، بنت جميلة وجمالها هلكني، والليلة بقت ملكتي!
ضحكت بنعومة وهي تمنحه ابتسامة عاشقة بينما تتشبث به مردفة:
- طب الناس بتتفرج علينا وأنت بتقولي الكلام الحلو دا..
جعلها تتأبط في ذراعه وهو يوعدها بحب:
- نتقابل في بيتنا لسه ورانا ليلة كبيرة أوي!

وصلوا إلى القاعة الذي سيقيم بها الحفل، استقبلوهم استقبالا حسنا مبهجا، كان السيد همام بجوارهما سعيدًا بتلك السعادة التي تجتاح إبنه وإبنة أخيه، لكنه كان يبتسم بحزن بين الفينة والأخرى، فزوجته لم تحتضر زفاف إبنها ولم تكن راضية وجانبه بهذا اليوم، تنهد بعمق محاولا عدم التفكير بما يعكر صفو هذه الليلة، بينما ينظر إلى إبنته ويجذبها نحوه يعانقها ويقبل رأسها داعيا لها..
ومر وقت ممتع للغاية، ولم تكتمل الصورة بعد بغياب تهاني...

تمُر بضعة دقائق أخرى وتدخل من باب القاعة في تردد، فقد أكلها الحنين لمساندة إبنها في يومه المميز، واشتعلت مشاعر الأمومة بداخلها رغم كبريائها وجبروتها، لتتجه صوبهم بنظرات مُهتزة، تقف وتنظر إلى ابنها ببسمة حزينة، والأخير بادلها بابتسامة عريضة تنم عن فرحه بوجودها وشيء ما يخبره بأنها مؤكدًا أعادت الحسابات، اقترب منها فعانقته بمحبة أم، بادلها كذلك وهو يقول لها بسعادة:

- نورتي الفرح يا أمي..
ربتت على كتفه قائلة بهدوء:
- ألف مبروك
نحت ببصرها إلى مريم لتبتسم لأول مرة وهي تحدثها:
- ربنا يسعدك مع إبني يا مريم، وألف مبروك..
ابتسمت مريم باتساع وهي ترد عليها:
- الله يبارك فيكِ..
انتقلت تهاني إلى همام، الذي كان يتابع بصمت هادئ، فتقول بتنهيدة حملت في طياتها الكثير:
- أنا أسفة يا همام، أرجو إنك تسامحني وخلينا نبدأ صفحة جديدة..

رفع همام أحد حاجبيه متصنعا الجدية، ليقول بصوت أجش:
- وأنا أرجو إنك تكوني إتخليتي عن إسلوبك العنيف دا وتكوني حطيتي عقلك في راسك!
أردفت بابتسامة خفيفة:
- دا اللي حصل وإلا ماكنتش رجعت يا همام!
اقترب يوسف منهما يقول بإيجاز:
- خلاص يا حاج همام بقى المسامح كريم، صافي يا لبن؟
ضحك همام وشاركته تهاني التي احتضنت ابنتها يُسر معها، لتعمُ البهجة على الأجواء وتسكن السكينة قلوبهم وتكتمل الصورة العائلية أخيرًا..

نهاية الرواية
أرجوا أن تكون نالت إعجابكم
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية