قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية صغيرتي للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثالث ( السؤال الصادم )

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي كاملة

رواية صغيرتي نوفيلا للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثالث

( السؤال الصادم )

اشتعلت عيني مريم بنظرة تحدي سافرة وهي تتخصر ناظرة لها من علو، بينما لوت الأخيرة فمها بتهكمٍ وهي تقول بلا تردد:
- أنتِ قليلة الأدب..
ولم ترد عليها مريم إنما رد يوسف غاضبا بدلا منها معنفا:
- إلزمي حدودك ومالكيش دعوة بيها أنتِ فاهمة ولا لا؟

تلون وجهها حقدًا وهي ترمقه بنظرة شرسة وقد صرت على أسنانها غيظًا، بينما أتت " تهاني " من خلفها وهي تزمجر غاضبة بقولها:
- إيه يا يوسف ما تيجي تديلها قلمين كدا ميصحش! معقول بتزعقك لبنت خالتك وهي في بيتنا؟ لدرجة دي وصلت بقيت قليل الذوق جدا..

تنهد يوسف بنفاد صبر وهو يرفع وجهه للأعلى محاولا تهدئة أعصابه، في حين تابعت تهاني وهي ترمق مريم بنظرة ثاقبة:
- نهال ماغلطتش عشان تكلمها كدا، هي فعلا البتاعة دي قليلة الأدب ومش متربية ومين هيربيها يا عيني؟ ما هي ملهاش أهل تربيها!

وهنا برقت عيناه بوميض غاضبٍ وراح يهتف بصرامة قاتلة:
- أمي!.. بلاش الإسلوب دا، مش هسمح حد يهين مريم حتى لو أنتِ!
توسعت عينيها في ذهولٍ وهي تهدر به:
- يعني هتعمل إيه؟ هتقف قصادي عشان البنت المفعوصة دي؟ أنت إتجننت.

لم يرد عليها ثانية وراح يمسح على وجهه زافرًا، بينما انسحبت مريم بصمت تام راكضة إلى الداخل وقد إمتلأت عينيها بالعبرات، ركضت نحو الدرج وصعدت بخطوات عجلة غير متنزنة، أما يوسف فقد قال بجمود:
- مش كل يوم هتنكدي عليها عشيتها، هي معملتلكيش أي حاجة عشان تعملي كدا، ضيوفك اهلا وسهلا بيهم يا ماما لكن لو حد اتعرض لمريم قسما بالله ما هسكت له، أنا ساكت عشان خاطرك لكن بلاش تضطريني أعمل حاجات تزعلك مني، وبرضوه مش هقف قصادك بس هتزعلي...

سار مبتعدًا عنها، فراحت تهتف بعينين مشتعلتين غضبا:
إجري وراها.. إجري... ماشي يا يوسف!
انصرفت يُسر أيضًا في صمت صاعدة إلى غرفتها، وبقيت هي بصحبة نهال التي أردفت في حنق:
- شايفة يا أنطي بيعاملني إزاي؟
لتقول الأخيرة:
- متزعليش يا حبيبتي، إصبري بس..

 

طرق باب غرفتها وهو يقول بنبرة حانية:
- حبيبي.. إفتحي الباب..
ثوانِ وكانت تفتح له الباب ثم تتراجع للخلف وهي تجفف عبراتها بظهر يدها، ابتسم وهو يقترب منها مراوغا في قوله الهادئ:
- في حد بيعيط ويبقى قمر كدا؟! سكر سكر يعني..

لم تبتسم لغزله كعادتها إنما ازداد بكاؤها وهي تدفن وجهها بين راحتي يديها وقد تعالت شهقاتها، أخذ يهدئها بنبرة حزينة بعض الشيء:
- ليه كدا يا روما بس، هو يعني أنا سكت؟ مش أنا باخد ليكِ حقك على طول؟.. وبعدين واحدة زي نهال دي متخلكيش تبكي كدا، ولا كأنها موجودة أصلا..
رفعت وجهها إليه بينما تناظره بحزن حقيقي:
- مامتك بتكرهني أوي يا يوسف أوي، أنا خلاص مش هقدر أعيش هنا تاني أنا لازم أمشي..

تخضبت عينيه بحمرة غاضبة، بينما أمسك ذراعها ضاغطا عليه بضيق مع قوله:
- تمشي تروحي فين؟!.. أنتِ مكانك هنا معايا دا بيتك يا هبلة وبيت عمك وليكِ فيه زيك زي أي حد، إن كان على ماما تجنبيها وخلاص يا روما عشان خاطري..
تابعت من بين بكاؤها:
- أنا عايشة عشانك أنت، لو أنت مش موجود في الدنيا كنت موتّ نفسي..
ضحك بخفوت وهو يحاوط وجهها بكفيه قائلًا بهدوء:
- حرام تقولي كدا، أنتِ عايشة عشان ربنا رايدلك بكدا وأنعم عليكِ بالحياة فلازم تقولي الحمدلله مش تقولي الكلام دا يا حبيبتي.. أوك؟

أومأت برأسها وهي تقترب منه واحتضنته بدون تردد أو مؤشر لذلك، احتضنته بقوة وتمرغت به كقطة ناعمة، أغلقت عينيها وهي تنعم بدفئ حضنه مع همسها الذي قضى على ثباته وبعثر كيانهُ في الحال:
- بموت فيك يا يوسف..
ازدرد ريقه بصعوبة بالغة ولم يلف ذراعاه فيفقد سيطرته على نفسه، لذا تراجع وهو يبعدها عنه برفق قائلًا بخفوت:
- وأنا كمان يا روما، يلا يا حبيبتي أسيبك تغيري هدومك بقى وتعالي عشان نتغدى..

انزعجت من ابتعاده عنها وافساد لحظتها الدافئة معه، هي لا تعي خطورة ما تفعله وتأثيرها القاتل عليه، ترى أنه حبيبها.. حبيبها فحسب.
وأي كلمات بعد هذه الكلمة لا تهم..
زفرت أنفاسها بضيق وهي تجلس على طرف فراشها، لتقول بتذمر:
- مش هتغدى معاهم تحت، خلينا أنا وأنت نتغدى مع بعض هنا لو سمحت يا يوسف..
يوسف رافضًا بهدوء:
- لا هتنزلي معايا تحت ونتغدى، أنتِ عارفة إن بابا بيحب يشوفك دايما قاعدة معاه تحت، وأنا كمان مش عاوزك تنعزلي لواحدك، ومتخافيش ماما مش هتكلمك دلوقتي في أي حاجة.. وبعدين أنتِ خايفة وأنا موجود؟ معقولة يعني؟!

حركت رأسها سلبا وهي تبتسم قائلة؛
- لأ عمري ما خفت من حاجة وأنت معايا..
ابتعد متجها خارج الغرفة وهو يقول بغمزة من عينه:
- هغير وأجيلك سلام مؤقت يا جميل..
ضحكت برضى وهي تنهض من مكانها متجهة نحو الخزانة لتُبدل ثيابها بسعادة.. لطالما كان هو حبيبها ستكون السعادة نصيبها..

 

توجهت يُسر نحو طاولة الطعام وسحبت مقعدها الخاص الذي دائمًا تجلس عليه والذي يقع جوار مقعد والدها همام الذي قال بابتسامة عريضة:
- أهلا أهلا يا حياتي..
ابتسمت يُسر في خجل لمغازلة والدها الحنون، لتهمس بهدوء:
- شكرا يا بابا..
جلست ولم تستطع التحدث مرة ثانية حيث أتتها عاصفة أمها بقولها المتجهم:
- إيييه اللي أنتِ لابساه دا يا بنت؟! ليه كدااااا
يُسر وقد انزوى ما بين حاجبيها بضيق:
- دا إسدال الصلاة بتاعي يا ماما، في إيه؟

تأففت تهاني حينما قالت بغضب:
- وليه تلبسيه دلوقتي، أنتِ بنوتة صغيرة يا حبيبتي مينفعش تخفي نفسك كدا، شوفي نهال عاملة إيه قمر ما شاء الله..
لم تعقب يُسر على كلامها فهي تعلم أن مجادلتها معها لن تجدي بشيء، بل سترهقها نفسيا وهي بغنى عن ذلك.. فصمتت..
تكلم همام في جدية حازمة:
- جرى إيه يا تهاني، ما تسبيها تلبس اللي يريحها دا أنتِ غريبة أوي، مش كدا!

نهضت بعنف عن مقعدها وقالت بعصبية مفرطة:
- ماشي يا همام، أنا طالعة أوضتي، بجد أنتوا بقيتوا حاجة تحرق الدم..
فصاح همام قائلًا:
- والله ما حد غيرك يحرق الدم يا تهاني، إيه النكد دا ياربي!
أتى في هذا الحين يوسف بصحبة مريم، وراح يسأل والده بحذر:
- مالك يا بابا في إيه.؟
لينهض همام هو الآخر قائلًا بحدة:
- دي مبقتش عيشة، أنا طالع أتخمد..

تركهم وصعد بالفعل، فضرب يوسف كفا بكف قائلًا باستغراب:
- في إيه يا يُسر، مالهم؟!
قصت يُسر له ما حدث بإيجاز، ليجلس يوسف على مقعده قائلًا بلا مبالاة:
- أهاااااا، يا ستي كبري دماغك فين الأكل أنا هموت من الجوع وروما جعانة..
اختتم جملته بغمزة من عينه لها، فقالت يُسر ضاحكة:
- خلاص أهم بيحضروه في المطبخ..

كانت نهال تجلس بصحبتهم وعيناها تتوهجان بشراسة قاسية بينما تهز ساقها بعصبية تامة، خاصة وهي ترى ابتسامة مريم الوردية الناتجة عن دلال يوسف لها، وازدادت غضبا حين أردفت مريم متعمدة إغاظتها بقولها الناعم:
- يوسف، ممكن بعد الغدا تجبلي الشكولاتة بتاعتي، أنت نسيت تجيبها لي النهاردة، ممكن؟

أومأ يوسف موافقًا وهو يقول:
- ممكن يا روما، أنت تؤمر يا سكر..
ضحكت مريم وهي تشكره بدلالها الذي كاد يقتل نهال قتلا ويطيح بها أرضا أو ينسفها بالأحرى..
وضِعَ الطعام أخيرًا وشرعوا في تناول الطعام، بينما يوسف يطعمها تارة بيده ويطعم شقيقته تارة أخرى بمزاحه وحنانه المعتاد معهما، شعرت نهال أن لا وجود لها بين ثلاثتهم ولهذا انسحبت بهدوء...

في المساء..

تناولت مريم قطع الشوكولاتة بفمها، تتذوق مذاقها الرائع وهي تمنحه ابتسامة ناعمة قبل أن تشكره بمحبة:
- ثانكس يوسف..
فرد بمرح ضاحكا:
- لا ثانكس على واجب يا روحي
قهقهت ضاحكة بصوت ظهر به بحة خفيفة، فأردف يوسف بجدية:
- شكلك أخدتي برد يا مريم..
أومأت مريم مؤكدة وهي ترد:
- أه شكلي كدا فعلا حاسة إني مرهقة وتعبانة

يوسف وهو يضع يده فوق جبهتها ليرى درجة حرارتها:
- كله من المطر!.. شوفتي هبلك بيعمل إيه؟ لو تعبتي يا ويلك مني يا مريم يا ويلك..
مريم بتذمر طفولي:
- يعني هتعمل إيه فيا؟ وبعدين هتزعلني وأنا تعبانة؟
هز رأسه إيجابًا وقال بحزم رفيق:
- أيوة أزعلك عشان تعبانة، عشان أنا مبعرفش أركز في أي حاجة وأنتِ تعبانة يا مدوخاني السبع دوخات..

صمتت قليلًا وهي تأكل قطع الشوكولاتة بنهم، ليقول يوسف ضاحكا:
- على مهلك ماحدش بيجري وراكِ..
مطت شفتيها وهي تقول مترددة:
- يوسف
استطرد هائما:
- عيونه
قالت في خفوت حذر:
- ممكن أقولك على حاجة اتكلمنا فيها النهاردة أنا وصحباتي الجداد بس ماتزعقليش؟

انتبه يوسف لها وقال باهتمام:
- قولي، خير يا روما؟
صمتت قليلًا وتورد وجهها بحمرة خجلة، بينما راحت تفرك كفيها في بعضهما في توتر وارتباك شديدين، فتعجب يوسف لأمرها وهو يعقد حاجباه باستغراب ليسألها بهدوء:
- إيه يا روما؟ في إيه؟
تنحنحت وهي تعتدل في جلستها قائلة بنبرة خافتة ومتحشرجة:
- ي يعني كنا.. ب بنتكلم.. ف.. ه.. هما قالولي إن اللي بيحبوهم... آآ

كان يتابعها بفضول شديد منتظرًا ما ستقوله وقد خمن وعلى وشك التيقن لما ستتفوه به، هو يعرفها جيدًا!
بالفعل أكدت تخمينه، حين قالت بصوت متقطع:
- قالولي إن كل المخطوبين بي ب... ليه.. أنت.. مش مش.. مش ب.. بتبوسني!

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية