قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثالث والعشرون

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار كاملة

رواية شمس في قلبين للكاتبة مروة نصار الفصل الثالث والعشرون

وصل السائق أسفل العمارة بعد طريق كان مفعم بالمشاحنات، والضرب المتتالي من شمس ومحاولتها الهروب أكثر من مرة، ولكن قصي لم يترك لها المجال، ثم فعل مثلما حدث في المشفي، جذبها من السيارة وحملها علي كتفه وصعد بها إلي البيت، بدون أن يكترث للجيران او المارة .

عبر قصي باب البيت، ثم اغلقه ثانية بالمفتاح بعد أن أخبر السائق ان يعود مرة اخري للمشفي، ويوافيه بالمستجدات أول بأول .
دخل البيت ووضعها أرضاً بعد ان احكم غلق الباب جيداً، ثم وقف أمامها متحدياً أن تستطيع فعل شيء .
كانت تشتعل من الغيظ، لم يأبه باعتراضها او صراخها ورفضها لما يفعله .. كما لو كانت غير مرئية ... هي ترفض تماما التقليل منها، او فرض السيطرة عليها، ترفض الاستهانة بها وبرغبتها ... لذا ليستعد للمواجهة، وليحتمل جنونها وعنادها، فهي لن ترضخ ابدا، وهذا الصراع لن تكون هي الخاسرة فيه، يكفيها ما فقدته حتي الأن .
وقفت امامه بتحدي وغضب وقالت بحدة: افتح الباب حالاً وخليني امشي احسنلك .

نظر لها وقال بثقة: مش فاتح، واخبطي دماغك في الحيطة .
رمقته شزراً والشرار يتطاير من عينيها وقالت: لا انا مش حأخبط دماغي أنا حأخبط حاجة تانية، .. ثم بدأت تنظر حولها وتكتشف المكان .. شقة فاخرة جداً تمتليء بالأثاث الفخم والتحف والمقتنيات الثمينة، ابتسمت بخبث واتجهت نحو مزهرية من الكريستال .. تبدو باهظة الثمن، وتناولتها بيدها ووقفت تنظر نحوه وقالت بتحدي: مش ناوي ترجع في كلامك .

رمقها بقليل من القلق .. ولكنه لن يخضع بسهولة وأجابها بحزم: لاااااا.
_وبدون اي مقدمات قذفتها نحوه، ليفاجأ بفعلتها وينحني سريعاً قبل ان تصيبه فتتحطم علي الحائط خلفه، وقف قصي مذهولاً مما فعلته وصاح بها قائلاً: يا مجنونة كان ممكن تموتيني .
ضحكت بسخرية وهي تلتقط منفضة سجائر من الكريستال أيضا وتقول: وده المطلوب .. ثم قذفتها مرة أخري نحوه .. لتصيبه تلك المرة في ساقه .. ويصيح متألما منها، لتهتف به قائلة: كفاية والا نكمل .

لم يجيب بل تقدم نحوها وجذبها من ذراعها وهو يقول: معاكي للأخر، بس استحملي أنتي .
ثم اتجه نحو غرفة نومه وهي يجرها خلفه، واغلق الباب عليهما، وقال: براحتك بقا هنا .. اصل دي الأوضة الوحيدة اللي مفيهاش حاجة خالص، فنعرف نتعامل براحتنا من غير أصابات .
وقفت شمس مفزوعة من جرأته، كيف يفعل هذا !، كيف يحجزها معه في غرفة النوم ؟، وقفت صامتة .. انتابها الخوف قليلاً، فهي لم تعتاد علي هذا، لا يمكنها ان تتقبل فكرة تواجدها مع رجل غريب عنها في شقة بمفردهما وداخل غرفة نومه .. وقفت تضم ذراعاها حول جسدها وتتراجع للخلف .. كأنها تحمي نفسها منه .

شعر قصي بخوفها .. وبأنها ترتعد من الداخل .. فما كان منه سوي ان تقدم نحوها ببطء شديد بطريقة درامية .. توحي لها بأنه يستعد للأنقضاض عليها، وهي تتراجع للخلف حتي أصبحت ملاصقة للجدار، تحتمي به، وهو مازال يقترب منها حتي أصبح في مواجهتها .. لا يفصله عنها سوي القليل، ثم رفع يده وأسندها علي الجدار ليحيطها تماما حتي لا تستطيع الفرار، واقترب بوجهه منها ببطء شديد .. جعل الدماء تجف في عروقها، وأمال رأسه نحو وجنتها ومد شفتيه يقبلها، وهي تكاد تنهار لا تقوي علي الفرار أو الاعتراض .. لا تعلم هل استطاع السيطرة علي مشاعرها ؟، ام فقط هي ضعيفة نحوه الأن، ظل يقترب بشفتيه ثم فجأة همس بأذنها قائلاً: انا لو عايزك مفيش حاجة تمنعني، بس أنتي لا، انا بحبك ولا يمكن أعمل معاكي كده .. بس متهيألي واضح اوي انك انتي كمان بتحبيني وعايزاني يعني بلاش مكابرة ... وأسمعي الكلام وبلاش الكلام الفاضي بتاعك ده .

اشتعلت وجنتاها خجلا .. وحرارة انفاسه علي وجهها تصيبها بالدوار .. لقد فضح أمرها، استطاع ان يستشعر ضعفها نحوه، لمس ما تخفيه بداخلها وتحاول ان تقيده بقيود من حديد، ولكن لا سبيل للرضوخ .. علاقتهما محكوماً عليها بالفشل، لم تعد تقوي علي تحمل خيبات أخري .. يكفيها ما حدث .. قلبها اصبح مهلهلاً من كثرة الندوب.. كالخرقة التي بها ثقوب ولَم يعد لها فائدة .. يجب ان ترحل بعيداً عنه، يجب ان تنساه تماما، لعلها تستطيع العيش بعد ذلك .

أزاحت يديه من حولها، وابتعدت عنه وهي تهرب بنظراتها بعيدا. وقالت: لا مش حينفع .. انا وانت مش حننفع لبعض، ومهما قلت وعملت ده مش حيغير رأيي .
استشاط غيظاً من عنادها وصلابتها، رفع يده نحو شعره في حركة عصبية وقال: ليه مصممة توجعيني، ليه !.
صمتت وهي تردد بداخلها: وجعك مش حاجة جنب وجعي، بس خلاص مش قادرة استحمل تاني .
اقترب منها وقال: انا مش حأستسلم يا شمس، مش حأسلم وأوافق علي كلامك، انا متأكد انك ليا، لكن مش حأضغط عليكي اكتر من كده، اتفضلي معايا أوصلك .
رمقته بنظرات متألمة .. كانت تود لو تهرع صوبه وترتمي بين ذراعيه وتبوح بما لا تستطيع، ولكن لم تفعل .. فقط غادرت بدون كلمة واحدة .

وصلت شمس منزلها بعد معاناة شديدة من ألم الفراق، واستعدت لألم أكبر، كيف ستخبر الجميع بما حدث، كيف ستروي لهم ما حدث دون أن تلطخ سمعة شريف ؟، ماذا تفعل ؟.
دخلت المنزل وبحثت بعيناها عن أمها، لتجدها في المطبخ، هرعت نحوها وارتمت في صدرها وجهشت في البكاء، لم تدري والدتها ماذا تفعل سوي انها احتضنتها بقوة وانتظرت ان تهدأ .. دقائق وجلستا الاثنتان في غرفة النوم بعيداً عن أعين وأذان الجميع وبعد أن أقسمت السيدة رقيه علي الحفاظ علي السر .. روت لها شمس كل ما حدث في الايام الماضية .. ظهور شريف ثم اختفاءه المفاجيء .. اختطافها وبعد ذلك ظهوره مرة اخري واكتشاف ما قام بفعله .. وفِي الاخير التضحية بنفسه لكي ينقذ حياتها .

جلست السيدة رقية تتجرع الألم من رواية ابنتها .. تبكي علي ما ألم بهما، قلبها يكاد يموت رعباً من مجرد تخيل ما كان قد يحدث لأبنتها لولا شريف وقصي .. ولكنه انفطر بالفعل علي موت ولدها، فهو لم يكن فقط ابن صديقتها وحبيب ابنتها، بل كان ابنها، نشأ علي يدها وتربي في بيتها .. ظلت تبكي وهي لا تعلم كيف ستخبر صديقة عمرها بمقتل ابنها.

شاركت شمس أمها البكاء، ثم قررت ان تذهب بمفردها إلي والدة شريف تروي لها عن بسالة ابنها وشجاعته ثم تطوي تلك الصفحة تماما، وبالفعل غادرت البيت وذهبت إلي بيتهم القديم، تحديداً شقة الخالة خديجة، ولكن بمجرد وصولها اكتشفت انها ليست بحاجة لأخبارها، لقد وصل لهم النبأ من الأخبار وقامت السلطات بالاتصال بهم ليقوموا باستلام الجثة، جلست شمس تروي لخالتها قصة مغايرة عن شجاعة شريف وبسالته، وعن اخلاقه ووطنيته حتي تحاول رأب الصدع الذي في قلبها، لعل هذا يهون عليها موت ابنها عندما تعلم انه مات بطل وسيلحق بركب الشهداء، أنهت المهمة وقامت بمواساتها، ثم توجهت علي الفور إلي الجاليري، و قامت بالاتصال بأكرم وبمجرد وصوله بدأت في جمع كل المعروضات حتي ترحل عن المكان بلا رجعة، فلم يعد يناسب ان تظل في المحل الذي تملكه شاهي .. قضت شمس يوماً كاملاً مع الصبي في جمع كل شيء في الجاليري ثم طلبت شركة شحن لنقل الصناديق إلي المخزن الخاص بها .. وعندما انتهي كل شيء، طلبت من أكرم أن يبحث معها عن مكان أخر للأنتقال، ثم عادت للبيت .

جلست شاهي في المشفي بجوار زوجها الذي مازال غائباً عن الوعي من تأثير المخدر، كانت دموعها لا تتوقف من شدة الحزن، لا تتخيل مجرد فكرة ان تفقده مرة اخري .. قلبها لا يتحمل كل هذا ثانيةً .. لحظات وسمعت طرقات علي الباب ثم وجدت قصي أمامها، لم تعد تتقبل أن تري أياً منهما، هي تحملهما الذنب ولن تغفر لهما ابداً .
وقف قصي يواجه نظراتها الغاضبة المليئة بالكره، اقترب بهدوء وقال لها بوضوح: أنتي حرة تحبيني او تكرهيني، تقنعي نفسك ان أنا وشمس السبب وتنسي ان في حاجة اسمها نصيب وقدر، براحتك، بس فكرة انك تقرري مين يبعد ومين يبقي جنب وليد دي تنسيها، وليد ده أخويا، ومش ممكن اسيبه، وحأفضل جنبه لحد ما يوقف علي رجله، بمزاجك او غصب عنك .

رمقته بشزر وهبت لتهاجمه ولكن صوت وليد الذي وصل لمسامعها وهو يحاول ان يتحدث طالباً كوباً من الماء، جعلها تعود إلي رشدها، وتهرع تجلب له ما يريد وهي تبكي وتحدثه: وليد حبيبي .. انت كويس، أنت بخير يا قلبي .
تجرع وليد المياه بنهم ثم بدأ يحاول أن يسترجع ما حدث وقال: أنا فين ؟، ايه اللي حصل ؟.
اقترب قصي من صديقه وابتسم له قائلاً: انت في المستشفي، والحمد لله ربنا نجاك من الموت وده أهم حاجة .. واللي بعد كده أن شاء الله خير .
التفت وليد لزوجته وشاهد دموعها التي حولت عيناها إلي كتلة حمراء وقال: حبيبتي متقلقيش، عمر الشقي بقي، انا وراكي ومش حأسيبك، تفتكري بعد العذاب اللي اتعذبناه ممكن اموت وأسيبك لحد غيري، ليه هو انا مجنون !.

ابتسمت شاهي ثم ارتمت علي صدر زوجها وهي تبكي وتقول: ولا انا ممكن اسيبك تاني ابدا .
ابتسم قصي وقال: طيب انا حأسيبكم تعيشوا لحظات الغرام وأروح أجهز للسفر عشان تعملوا شهر عسل جديد وكمان تكمل علاج بره .

في الصباح الباكر كانت شمس تجلس في الاتوبيس الذي يتجه إلي مدينة شرم الشيخ، يجب ان تنهي عملها سريعاً قبل ان يعود قصي إلي هناك، فهي لم تعتاد ان تترك المهام الموكلة إليها قبل ان تنهيها، والمتبقي لن يستغرق سوي يوماً واحداً أو أثنان علي اكثر تقدير، وبالفعل وصلت إلي هناك وبدأت علي الفور في العمل وظلت تنتقل ما بين المصنع والفندق طوال اليومين حتي انتهت تماما من مهمتها، فحزمت حقائبها جميعاً، وقامت بالمرور علي الأدارة المالية لأنهاء كافة مستحقاتها .. فهي لا تريد أن يجد قصي أي ثغرة يستطيع النفاذ منها إليها .. بل ستقطع كل الطرق الذي قد يحاول استغلالها .. وها هي تركت الجاليري أيضا .. وستبحث عن مكاناً أخر حتي لو خارج البلاد .

وفِي المشفي كان قصي يبذل كل جهده للبحث عن أكفأ الأطباء حتي يستطيع نقل وليد وبدء العلاج .. مر أسبوع وهما جميعاً في المشفي، كان قصي يلازمه هو وشاهي وخاصة بعد أن علم بحالته الصحية .. الذي قابلها بهدوء شديد وتقبل للأمر، بل أنه كان يشجع زوجته علي التفاؤل والأمل لأنه علي يقين أنه لن يستمر هكذا .
استطاع قصي أن يجد الدولة والمشفي المناسبة لحالة وليد وبدأ في أجراءات النقل .. ثم قام بالاستئذان منهما للسفر إلي شرم حتي يباشر بعض الأجراءات .. ويقم بتوكيل مهمة الادارة إلي المدير المالي ويعود سريعاً للأستعداد للسفر .. وبالفعل توجه قصي بالطائرة إلي هناك .. وبعد بعض الاجتماعات والمقابلات، اكتشف من المدير ما حدث وأن شمس أنهت عملها تماما وغادرت الفندق منذ ما يقرب من خمس أيام، وأنه أنهي معها كل المستحقات .. شعر قصي بالخيبة وبأنها تحاول أن تغلق في وجهه كل الأبواب جميعاً، وعزم علي أن يمر عليها في العمل قبل أن يسافر مع صديقه .. وبالفعل بعد ان اطمئن علي كافة الاعمال .. عاد مرة اخري إلي القاهرة.. وتوجه مباشرة إلي الجاليري لملاقاتها .. ولكنه اصاب بخيبة جديدة عندما علم من المقهي المجاور أنها أغلقت المكان للأبد وانتقلت منه .

هل انتهت قصة شمس وقصي من قبل ان تبدأ ؟، وكيف سيجد الطريق لها ثانية ؟.

الفصل التالي
جميع الفصول
الآراء والتعليقات على الرواية