قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية شظايا قسوته للكاتبة رحمة سيد الفصل الأول

رواية شظايا قسوته للكاتبة رحمة سيد الفصل الأول

رواية شظايا قسوته للكاتبة رحمة سيد الفصل الأول

تحت أضواء القمر المنير الذى يسطَع بنوره الزهي ليغطي الكرة الأرضية، ليملئ القلوب بالنور والأمل، ولكن القلوب الحالكة، طيف نور لا يؤثر بها!.
تحديدًا في منزل اشبه للقصر، كانت تقف هي و قدماها ترتعش، لا تقويان على حملها فيحملان ما لا طاقة لها به، وخوف حقيقي يسيطر على خلاياها كليًا!
دلفت الي المكتب، لتجده يجلس كالعادة امام الجهاز الخاص به وأوراقه..

تنحنحت وهي تقترب منه بالقهوة خاصته، لينظر لها بعينيه السوداء الحادة كالصقر، نظرة داعبت خوفها المكبوت فانفجر وظهر!
لتُسقط كوب القهوة من يدها على الأوراق الخاصة به..
وكأنها اسقطت النيران على فتيل غضبه فصرخ فيها بحدة مفرطة:
أنتِ غبية مابتشوفيش ابدًا
هزت رأسها بخوف حقيقي وهي تغمغم متلعثمة:
أسفة والله أسفة مش قصدى
بدء يلملم اوراقه وهو مستمر في زمجرته بوجهها كأنه لا يستغنى عنها ابدًا!
ولمَ كأنه؟!

فهو بالفعل القسوة والغضب جزئان اساسيان في شخصيته..
قواعده وسلوكه جميعهم يرتكزوا على ذاك الجزء..
وهما ما يبعثان الخوف والرعب في نفوس الاخرين تلقائيًا كنسمات الهواء!
واستمر في صراخه بقوله الحاد:
اعمل أية انا بأسفك ده، الورق ده مهم جدًا، ده يمكن أهم منك أنتِ شخصيًا
جرح اخر بفضل كلماته اللاذعة التي تقطر سمًا حقيقيًا يقتلها تلقائيًا!
اسبوع واحد اقامته معهم ولكنه كان كالدهر..

وكل مرحلة فيه تعلمت أن تتحمل الألم وتصمت عن الأهانات اكثر..
ودائمًا ما تستقبل الاهانات منه ومن خطيبته الحمقاء على وتيرة الصمت!
نظرت لأول مرة وهي تلهث من انفعالها مرددة:
فعلاً ماكنتش قاصدة والله
نهض وهو يشير لها بعصبية هبت في وجهها فأسارت القشعريرة في جسدها:
لأمتى، هتفضلي تغلطي وتقولي مكنتيش قاصدة لأمتى!؟
نظرت له ببلاهة، أى غلط هذا!؟
أي غلط أكتنفته فتسببت في غضبه، هي دائمًا تحاول أن تتلاشاه نهائيًا!

ولكن لمَ لا يمكن أن يكون الخطأ في حد ذاته هو بعدها وخوفها اللانهائي؟!
أطرقت رأسها وهي تتراجع للخلف ببطئ علها تمنع أنفاسه أن تلفح صفحة وجهها الأبيض وقالت:
أعتبرها أخر مرة، بعد كدة هبعت لك القهوة مع أي حد
ظل يقترب منها ببطى...
بطئ متعمد ليلاعب أوتارها الحساسة!
وهي تعود للخلف أكثر..
كل خطوة تتراجعها وكأنه يُقسم أن يتقدم العشرات مثلها!
حاصرها بذراعيه كالقيود الحديدية...

قيود حقيقية لطالما تحكمت بها ولكن السبب مجهول!
وفعليًا لفحت أنفاسه صفحة وجهها الذى زحفت الحمرة له تلقائيًا من ذاك القرب الذى يُخدر حواسها..
مخدر لم ترغبه ولا تريده!
ثم همس بصوته الأجش:
أنتِ اللي هتجيبي القهوة وقت ما أطلبها، ماتنسيش إنك هنا مجرد خدامة بس، مش انتِ اللي هتتحكمي فينا
اومأت بدموع بدءت تحاول الانهمار من عينيها ولكن أبت النزول..
وكالعادة إبتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها وهمست:.

صح، أنا هنا مجرد خدامة ف المطبخ
ابتعد قليلاً وقد إنقلبت ملامحه تمامًا للضيق لتنطلق هي راكضة بحزن حقيقي أدمى قلبها!
وصلت لتلك الغرفة الصغيرة التي تقيم فيها بجوار المطبخ لتغلق الباب عليها وتبدء بالنحيب كالعادة وهي تتذكر الذى جلبها لذاك المنزل واول لقاء لها بذاك الصقر...

فلاش باك..
ظلام دامس، ظلام يحيط بها من كل مكان، خيوطه تكاد تغطي من حولها، و عصبة قطنية تحيط بعينيها البنية لتمنع عنها ذاك النور...!
ولكن أى نور، هى لم تعرف للنور معنى منذ وفاة والدتها!
حياتها وتيرة واحدة لا تتغير، سلسلة تتكرر يوميًا بملل...
ولكن دومًا كان الظلام سيدها!،
حياة بائسة فعليًا واساس ذاك البؤس أب غير مبالى، وأم تركتها في الظلمات وتوفيت دون سابق إنذار...

ولكن يبقي النور الطفيف الذى لم ينطفئ حتى الان، جدها الحبيب
قطع سيل ذكرياتها المتقطرة صوت رجلاً أجش يقول بجوارها:
هنعمل فيها أية؟
رد صوتًا اخر لم تعرف كلاهما:
مش عارف، كان لازمتها أية الورطة دى
تأفف الاول مجيبًا:
الفلوس، الفلوس هى اللي عملت كدة
طرق الاخر يداه ببعضهما وهو يقول بغضب:
طب فكر معايا ف صرفة بقي يا أستاذ، احنا اخدنا فلوسنا خلاص بس هنعمل اية ف المصيبة دى
رد مسرعًا:
طب ما نرجعها لأهلها بقي.

صاح فيه منزعجًا:
نرجعها أزاى وهى شافت وشي يا غبي، كدة احنا هنروح ف داهية
تقوس فمها بابتسامة ساخرة بالرغم من سوءها إلا انها زينت ثغرها الأبيض بشفتاها الورديتين..
أشفق عليها القدر بنعمة جعلتها ترى وجه ذلك الوغد الذى اختطفها لتقاضيه حتمًا عندما يتركونها!
صورته حُفرت بذاكرتها فعليًا، فأعطتهم كامل الحق للخوف منها..
نعم ستقاضيهم، من الأساس هذا شغلها الفعلي، محامية مجتهدة..

ولكن هل هي نعمة فعلاً، أم نقمة بسببها ستلعن ذاك اليوم!؟
فجأة صدح صوت احداهم العالي وهو يقول بسعادة:
لاقيتهااا
سأله الاخر باستفهام:
اية دى؟
اجابه بتفكير خبيث:
لاقيت فكرة جهنمية ياض
هتف الاخر مسرعًا:
الحقنى بيها بس تعالى برة
خرجوا سويًا للخارج، تاركين اياها تنعى حظها وتبكِ قهرًا..
وهنا جاء حكم القاضي على حياتها البائسة بصوته الخشن:
أحنا نوديها لبيت الصقر
حك طرف ذقنه محاولاً التذكير:
الصقر مين!؟

تأفف وهو يلكزه بقوة متابعًا:
سليم الصقر يا أهبل، كدة كدة احنا بقينا ف البلد اهوو واهلها ف القاهرة مش هيخطر على بالهم إننا مابقيناش ف القاهرة
سأله مرة اخرى مفكرًا:
طب هنوديها ازاى
رفع كتفيه وراح يشرح له بخبث ؛
ياض ركز معايا، أنت عارف إن الصقر برغم قسوته إلا انه مابيبخلش على حد وبيمد إيده للمحتاج
اومأ الاخر بتركيز:
امممم فعلاً، يبقي أحنا نوديها له على أساس إنها مجرد بنت فقيرة مش لاقية شغل وهنغير اسمها.

اومأ بتأكيد ثم قال:
ايوة وكدة هو عمره ما هيعرف يوصل لأصلها، والبت هتفكر انه هو اللي خاطفها
ضربه على رأسه برفق وهو يقول:
ايوة تمام
غمز له وهو يتجه للداخل بسرعة مغمغمًا:
طب يلا بسرعة عشان نلحق نغورها ونستمتع بالخمسة مليون
اومأ الاخر ثم استداروا متجهين لها مرة اخرى...

اقتربوا منها، ونظر احدهم لجسدها المرسوم وملامحها الجذابة التي تعطيها نكهة خاصة، بنظرة امتلأت بالرغبة قبل أن يهمس بهمسة اثارت القشعريرة المريرة في جسدها:
طب ما نظبط نفسنا بيها الاول
هز الاخر رأسه نافيًا قبل أن يهتف بتحسر علي غنيمة مثلها:
كان نفسي، بس للأسف مفيش وقت، أهلها اكيد مش هيسكتوا، ولا أنت ناسي دى بنت مين
أهل!
هل لها اهل من الاساس!؟
مجرد حروف تسمعها يوميًا ولكنها لم تعرف معناها الحقيقي يومًا!

لطالما كانت حبال علاقتهم من حرير..
تتهشم بسهولة من مجرد شيئ بسيط!
ولكنها حروف عليها غمامة من الهيبة أمام اى شخص..
بعد ما يقرب من ساعة تصاحب فيها الظلام، تشعر به كالصديق يرافقها هو فقط ليس سواه!
ظلام اعتادته واعتادها منذ زمن...
وصلت، وصلت إلي منزل الصقر ...
دائمًا ملامحها وتعابيرها تفضحانها، والان الذعر والخوف هم المسيطران على صفحة وجهها الأبيض..

دلف أحدهم اولاً وبقي الاخر معها، اصبح امامها تمامًا وهو يزجرها بعيناه قبل أن يقول محذرًا:
أسمعي اللي هقولهولك كويس
نظرت له بتساؤل متوجس ليتابع هو بهمس:
أنتِ من اللحظة دى أسمك سيلا ابراهيم، سيلا إبراهيم مش اى اسم تانى وانتِ فاقدة الذاكرة
حدقت به قبل أن تسأله ببلاهة:
أنت عايزنى أغير أسم والدى كمان وامثل اني فاقدة الذاكرة
شقت وجهه أبتسامة ساخرة ومن ثم غمغم بصوت مسموع:
كنت عارف إنك مش هتيجي بالزوق.

ثم أخرج من جيبه هاتف ومن ثم بعد دقيقة أولى لها الهاتف لتشهق واضعة يدها على فاهها..
جدها الحبيب وشخص ملثم يصوب سلاحه تجاهه من على بعد!
والدقات توقفت هنا، لن تخسره، هو العامود الرئيسي في حياتها البائسة، سينهدم كل شيئ إن رحل هو بالتأكيد!

تصاعدت الدماء لوجهها وهي تصرخ به:
أنت مجنون، جدو ماله حرام عليكوا
نظر لها بطرف عينيه وقال ببرود:
هاا يا أنسة سيلا، هتتشرفي كتير بإسم العيلة ولا عقلتي؟!
اومأت موافقة برعب حقيقي:
هعمل اللي أنتم عايزينه بس ملكوش دعوة بجدو
مط شفتيه واجابها:
ده أكيد، بس تأكدى ف أي وقت لو خلفتي اللي أتفقنا عليه او قولتى لأى حد أى حاجة يبقي تقرأي الفاتحة على روح جدك!
دموع حارة تلقلقت في ساحة عينيها التي تشبه كوب القهوة..

دموع قهر وغلب من معاناة بدت أبدية، ولكن ستظل تحوم بداخلها، لأن لن ولم تسمح لها بالهطول مادامت أمام اى شخص فهي القوية المتينة، ظاهريًا!
وقفت تنتظر جكم قاضيها الظالم، وبعد ثوانى تقدم الاخر وهو يشير لهم مسرعًا:
يلا تعالوا بسرعة
امسك بيدها وهو يشدها مسرعًا للداخل، ليدلفوا إلى صالة واسعة تابعة لذاك المنزل الكبير، أثاث حديث ملفت للنظر، والمنزل من طابقين، واللون المسيطر بجدارة، الأسود فقط!

وكأنه يعبر عن حياة من به!
وهبط سليم ...
لتتعجب هي في نفس اللحظات!
شاب في أواخر العشرينات من عمره، يمتلك بشرة قمحية وعيون سوداء حادة تناسب اسمه تمامًا الصقر ..
يرتدي جلباب أسمر، شعيراته السوداء تكاد تصل لجبينه..
ملامحه تجذب من يدقق فيها وكأنه يرسمها بسحر لا ينتهي مفعوله!
اقترب منها ثم ظل يتفحصها من اعلاها الى اسفل قدميها..
لم يستطع اخفاء نظرة الاعجاب التي لاحت في عيناه..

فمط شفتاه وهو يقول باللهجة الصعيدية:
مش بطالة يا ولد عمي
اسرع الرجل في القول:
وفقدت الذاكرة يا حبت عيني، ف جولنا محدش هينصرنا غير الصقر اللي بيساعد الغلابة
اومأ وهو مازال محدقًا بها ثم أمرهم:
طيب خلاص، عشان خاطركم هشغلها مع الحاجة فاطيما في المطبخ، هي بردو محتاجة حد كبرت في السن، والخالة جربت ترجع من السفر وعايز البيت يبجى على سنجة عشرة زى ما بيجولوا
ابتسم الرجلان بانتصار، ليقول احدهم بامتنان حقيقي:.

ربنا يخليك لينا يا ريس ولا يحرمش الناس منك ابدًا
ابتسم بغرور ثم تابع:
خلاص بجى روحوا انتوا واعتبروها اتعينت اهه
وبالفعل إنطلقوا مسرعين مهللين من امامه، لينظر هو لها ثم سألها بنبرة ذات مغزى:
أسمك أية بقا؟
فغرت فاهه بشكل مضحك ثم قالت ببلاهة:
أية ده ما أنت بتتكلم زينا أهوو
اومأ مؤكدًا وهو يجيبها بجدية معتادة منه:
ايوة، انا صعيدى اصيل بس درست برة
كادت تهتف بشيئ اخر الا انه قاطعها بصرامة لاذعة وهو يشير لها:.

على المطبخ، ماتتعوديش على الحديت الماسخ ده، الحاجة فاطيما حتفهمك كل حاجة مفروض تعمليها
اومأت بضيق بدءت يجتاحها ومؤكد سيزداد مع ذاك الصقر!
باك
مسحت دمعاتها الهاربة، سيظل بكاؤوها يوميًا وقهرها شيئ يُخفي عن الجميع، حتى يعلن القلب نفاذ طاقته نهائيًا!

الجو مشحون بالتوتر، وحالة من البؤس والتوتر قد سيطرت على ذاك المنزل، التوتر من فقدان الغالية كما يلقبها جدها..
تساؤلات وبحث وقرارات صارمة من الجد قد صدرت، وسحابة حزينة سوداء قد سيطرت عليه، جلس في منزله الكبير الذى يعيش فيه هو وابنه..
على أحدى الكراسي الخشبية المهتزة التي تحركه تزامنًا مع عصبيته المفرطة، صرخ في أبنه امامه بحدة مشيرًا له بيده التي ترتعش:.

يعني أية يا عزت مش لاقينها، أقلبوا البلد عليها
بينما عزت ، جبروت وبرود إرتسموا بدقة على تلك الملامح السمراء!
وقف يتأفف بين كل حين ومين وكأن من فقدها ليست أبنته ابدًا
اشار لوالده وهو يقول بضيق:
يعني أعمل اية يا ابويا، دورت عليها وبدور بقالي اسبوع اهو بس شكل الخاطفين مارجعوهاش ومش هيرجعوها
هز رأسه نافيًا وهو يستطرد بجزع:
لا لا، سيلا مش هتستحمل الخطف والبهدلة
مط الأخر شفتيه وتابع بحزن أصطنعه بمهارة:.

منا عارف والله يابويا، بس ده قدر ربنا حد يقدر يعترض؟!
هز رأسه بعصبية ثم سأله:
لا طبعًا، بس أنت متأكد إنك عطيت لهم كل الفلوس اللي طلبوها
واخيرًا استخدم الجدية لمرة وقال:
أيوة يابويا والله عطيناهم الفلوس، بس اخدوها وضربوا الراجل وهربوا ف اخر لحظة ومش عارفين نوصل لهم
هز رأسه نافيًا ومن ثم هتف بأصرار:
مليش دعوة أتصرف يا عزت، وإلا قسمًا بالله أنزل ادور على حفيدتي بنفسي، دي الغالية.

امتعض وجهه وهو يجيبه بخشونة:
خلاص يا بابا، أنا هدور تاني، ماتنساش الدكتور قالك أية، صحتك ماتستحملش
لوى شفتاه متمتمًا بحنق:
اما نشوف يا عزت
وأنطلق عزت من امامه ليدعي البحث مرة اخرى..
واي بحث هذا، هو لا يرغبها من الأساس!
هي مجرد عبئ يصعب التخلص منه فقط!

كانت تجلس هي في نفس المنزل بالأعلى في غرفتها الخاصة بها وبزوجها، تحديدًا في غرفتهم الواسعة، بأثاثها الحديث الذى يتناسب مع زواجها الذي لم يمر عليه ثلاث سنوات..
أرجعت خصلاتها السوداء خلف أذنها لتنظر ل أبنة خالتها التي تجاورها ثم هتفت بصوت قلق بعض الشيئ:
اختفاء سيلا كل الوقت ده مش مطمني ابدًا، والجد عمره ما هيسكت
اومأت الأخرى مؤيدة ومن ثم تابعت بنبرة عادية غير مكترثة:
أه منا عارفة يا رقية.

ظلت تدور بعينيها في ارجاء الغرفة وهي تفرك أصابعها داعية:
ربنا يرجعها بالسلامة يارب
أبتسمت أمنية ثم همست بهدوء:
حقيقي اللي يشوفك كدة مايقولش إنها اختك من الأب بس
فعليًا هي لا تعرف ما الذر يربطها ب سيلا لهذه الدرجة!؟
تعشقها وكأنها توأمها وليست أخت غير شقيقة، يربطهم رابط خفي متين لا يعرفانه حتى الان!
اومأت وهي تقول بحب:
أنا بحب سيلا جدًا، معرفش السبب لكني بحبها اكتر من أي حاجة، يمكن عشان أحنا ملناش غير بعض.

اومأت امنية وهي تلكزها في كتفها متساءلة بتوجس:
سيبك من سيلا دلوقتِ وقوليلي أنتِ عاملة أية مع جوزك؟
جالت سحابة حزن عميقة في سماء عينيها السوداء المكحلة عند تلك السيرة...
تلك السيرة التي لم تجلب لها سوى الألم والحزن الحقيقي في طياتها..
ثم نظرت لها وأجابت بلامبالاة مصطنعة:
زي ماهو يا أمنية، دايمًا تهديدات بإنه هيتجوز، وأنا زي ما تقولي أتعودت بقا
إتسعت حدقتا عيناها وهي تغمغم بتعجب يشوبه الضيق:.

أنتِ هبلة يابت ولا أية، هي في واحدة تسيب جوزها يتجوز غيرها
وفجأة صرخت فيها بحدة، حدة كانت من المفترض أن تنفجر بوجه ذاك الذى يدعى زوجها ولكن أخطأت مسارها:
يعني أنا الغلطانة يا أمنية عشان ربنا مش كاتب لي أخلف!؟، هعترض على حكم ربنا كمان، ولا أنا كان بأيدي أية أعمله وماعملتوش
مطت الأخرى شفتاها وقالت متهكمة:
لأ معملتيش اللي عليكِ، أنتِ ناسية إنك روحتي لدكتور واحد بس ومش عايزة تشوفي غيره؟!
توتر...

سيطر بجدارة على ملامحها البيضاء الهادئة..
ثم نظرت للجهة المقابلة واجابت متلعثمة:
بردو آآ هو م آآ مش صابر وراح يتجوز
غمزت لها بطرف عينيها وقالت بنبرة ذات مغزى:
أسمعي كلامي وصدقيني هتتحل
هزت رقية رأسها نافية بتصميم:
مستحيل ابدًا
وفجأة فُتح الباب ليدلف زوجها المصون ، بجسده العادي المتهالك وشعره الأسود ببشرته السمراء التي تزداد سوءً بملامحه السمراء ليهتف ساخرًا:
قطعت قعدتكم الجميلة معلش
نهضت لتجيبه بحدة:.

في أية يا مجدي دي بنت خالتي
أشَارت لها أمنية بهدوء قائلة:
خلاص أنا اصلاً ماشية دلوقتِ
كادت تسير من جواره لتجده يشير لها بيده متابعًا بنبرة جادة:
خليكِ، أنا حبيت بس أعرف زوجتي المصونة إني اتجوزت وخلاص، وأجرت شقة ليا ولمراتي!

يا أهلا وسهلا يا خالة، كيفك؟
قالها سليم بصوته الرخيم وهو يتقدم تجاه خالته الحبيبة التي اشتاقها، ملامحها التي حُفرت في ذاكرته تحت خانة الأحباء والذين لك يتخطوا الأربعة!
احتضنها بشوق حقيقي لم يظهر سوى لها منذ عمر..
لتقول هي بحب نابع من غرزيتها الأموية التي حُرمت منها:
كويسة يا حبيبي، أنت عامل أية وحشتني أوي
أبتسم بهدوء مرددًا:.

وأنتِ اكتر يا حبيبتي، عملتي أية في السفر إن شاء الله تكوني بجيتي كويسة دلوقتِ
اومأت بابتسامة لم تزول منذ أن رأته:
أه احسن كتير بفضل الله
جلسوا على الأريكة في تلك الصالة الواسعة ثم اقتربت خالته منه قليلاً وقالت بصوت متوجس:
سليم كنت عاوزة أتكلم معاك ف حاجة
نظر لها باهتمام ثم سألها:
حاجة اية يا خالة أتفضلي جولي
إبتلعت ريقها بازدراء استعدادًا للرفض الحتمي الذي ستواجهه الان بذراع من الصبر والأيمان، والأصول!

ثم تشجعت واستطردت:
كنت عاوزة أتكلم معاك بخصوص عمك يعني و، آآ
قاطعها وقد ظهر قناعه الجامد القاسي وهو يشير لها:
للمرة المليون هجولك يا خالة لو بتحبيني جد ماتفتحيش معاي الموضوع ده تاني
كادت تعترض إلا أنه قاطعها بسؤاله الهادئ وكأن شيئً لم يكن:
شكلك تعبانة تحبي تشربي جهوة؟
تلك النبرة التي أعلن بها بوضوح نهاية ذاك الحوار الذي اصبح يمقته هي من جعلتها ترد باستسلام:
أيوة ياريت
فنظر أمامه ونادى بصوت عالي:
سيلاااااا.

وبعد دقيقة كانت تتقدم هي بحاجبها الصغير الذي يزين وجهها ثم همست قبل أن ترفع وجهها:
نعم
كاد يأمرها كعادته ولكن قاطعته همس خالته المصدوم:
مش معقول!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W