قصص و روايات - روايات صعيدية :

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش ف19 مبعوث العناية الإلهية

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش كاملة

رواية جلاب الهوى للكاتبة رضوى جاويش الفصل التاسع عشر

بعنوان ( مبعوث العناية الإلهية )

طرق على الباب بشكل مستفز مما دفع زينب لتصرخ بالداخل وهى فى سبيلها لفتح الباب:- ايه !؟.. في ايه !؟.. مين اللي بيخبط كده ده !؟..
فتحت الباب بعنف ليطالعها وجهه الذي كان يوما ما محببا الي قلبها اكثر من اهل الارض جميعا ..نظرت اليه في غضب هاتفة:- نعم!؟..
حاول ان يحشر جسده ليدخل هاتفا:- ايه يا بنت عمي !؟.. مش هتقوليلي اتفضل !؟..

دفعت به بعيدا حتى يلزم موضعه هاتفة بحنق:- مينفعش تدخل لان ماما مش هنا .. وحتى لو كانت هنا برضو مش هتدخل .. عايز ايه يا باشمهندس حاتم !؟..
اقترب منها في صفاقة هاتفا:- عايزك يا زوزو .. وعمري ما هاعوز غيرك ..
قهقهت في سخرية:- أنسى .. الموضوع ده خلص ومعدش ينفع خلاص .. وقتك معايا انتهى وزينب اللي كنت تعرفها وعشمتها بمحبتك دي ماتت خلاص .. اللي قدامك دي زينب تانية خااالص ..

همس في فجاجة:- شوفي انا اتجوزت كام مرة بس مفيش واحدة عرفت تاخد مكانك ف قلبي .. برضو اللي ف القلب ف القلب يا زوزو..
اكدت في عزم:- صح اللي ف القلب ف القلب وانا اللي بقى جوايا من ناحيتك يخليني اقتلك و انت واقف دلوقتي .. لان اللي بينا بقي دم .. عارف يعني ايه دم يا حاتم !؟.. وابويا هيفضل ما بينا ليوم الدين..

وامسكت بمصرع الباب تهم بغلقه الا انه وضع كفه مانعا إياها وقد انقلبت نبرته السمجة الي اخرى مهددة اقلقتها وخاصة ان لا امها بالبيت ولا حتى نديم موجود بالشقة المجاورة للزود عنها..
هتف حاتم متوعدا وهو لايزل يحاول دفع الباب للدخول عنوة:- انتِ والبيت ده من حقي .. ويا اخدك يا اخد البيت .. وطالما ابوكِ كتب البيت ده باسم امك القرشانة يبقى انتِ بتاعتي انا..

واستمرفي دفع الباب حتى يدخل وظلت تقاوم هى من الداخل دافعة الباب ف الاتجاه المعاكس محاولة الزود عن نفسها ..
كاد الباب ان ينفرج سامحا له بالدخول الا ان ظهوره المفاجئ صارخا وجاذبا حاتم كان فاصلا للمعركة فقد سقطت زينب على اعتاب البيت لاهثة بينما بدأ شريف في تسديد الضربات واللكمات لحاتم في غضب قاهر واخيرا جذبه شريف من ياقة ملابسه يهزه في عنف:- انت مين !؟.. و ايه اللي جابك هنا !؟..
هتف حاتم لاهثا وهو يمسح خيط من الدم سال من شفته السفلى:- انا بن عمها .. انت بقى اللي مين !؟..

رجه شريف صارخا:- وانت مالك انا ابقى مين!؟..وبعدين بن عمها وتعمل كده !؟.. قال بن عمها .. طب قول كلام يتصدق يا خفيف ..
اكد حاتم صارخا:- اسألها .. انا بن عمها .. حضرتك بقى اللى مين !؟..وجاي هنا ازاى وامها مش موجودة !؟..
وهتف حاتم محاولا قلب الطاولة لصالحه صارخا في زينب التي كانت لاتزل ارضا منكسة الرأس:- مين ده يا هانم ..!؟.. وجاي هنا ليه وامك مش موجودة!؟.. وعاملة لي فيها شريفة عليا انا بس!؟..

استثار كلامه شريف ليصرخ موجها اليه لكمة قوية:- اخرس قطع لسانك .. دي اشرف من اهلك كلهم ..
ودفع بحاتم في اتجاه الدرج هاتفا:- غور من هنا ياللاه بدل ما يكون نهايتك النهاردة على أيدي ..وحاول تقرب تاني من البيت ده وانت هتشوف اللي عمرك ما شفته .. واقسم بالله لهنيمك ف التخشيبة وألففك كعب داير لو لقيتك مش بس قريب م البيت لا لو حتى معدي ف الشارع ده تاني والا مبقاش انا النقيب شريف عبدالواحد ..

انتبه حاتم لتهديدات شريف فاندفع مسرعا خارج البيت ليعود شريف يعتلي تلك الدرجات التي نزلها خلف ذاك الأحمق ليجدها على حالها تجلس منهارة امام عتبة الباب ..
انحنى في إشفاق هامسا:- زينب !؟.. انتِ كويسة!؟..

كانت المرة الاولى التي يناديها فيها باسمها مجردا وكم تمنت الا تسمعها منه في موقف كهذا يمثل جم ضعفها فهمسه باسمها جعلها هشة تكاد تلق بنفسها بين ذراعيه رغبة في الأمان الذي افتقدته منذ غادر ابوها دنيانا على اثر شجار بينه وبين عمها والد حاتم والذي كان يدرك تماما ان ابيها مريض بالقلب ولا طاقة له على الشجار والمناقشة العقيمة .. رفعت عيونا دامعة اليه ولم تجب فما كان منه الا انه تنهد في وجع يود لو يحتويها صارفا عنها صنوف الهم التى يراها مجسدة بمقلتيها ..

مد كفا بتلقائية اليها فاستندت على تلك الكف الممدودة حتى نهضت واتجهت في بطء باتجاه اقرب المقاعد للباب وجلست.. ظل هو موضعه لم يتزحزح فما كان له ان يطأ البيت وامها ليست بالداخل وليس لديه القدرة على تركها بهذه الحالة .. وما بين هذا الاحساس وذاك ظل على صراعه ممزقا حتى ظهرت امها خلفه هاتفة في تعجب:- جرى ايه !؟.. فيه ايه يا شريف يا بني واقف كده ليه !؟..

لم يجب هو لكن زينب ما ان طالعت امها بجوار شريف على عتبة الباب حتى اندفعت اليها تحتمي بأحضانها منفجرة فى البكاء بشكل أدمى قلبه وجعل ماجدة تهتف في ذعر:- ايه اللي جرى يا زينب!؟.. ما حد يفهمني فيه ايه !؟..
هتف شريف باقتضاب:- حاتم بن عمها ..
شهقت ماجدة هاتفة:- وده ايه اللي جابه وفكره بينا بعد المدة دي كلها !؟.. مش كفاية اللي حصل لنا من تحت راسه هو وابوه !؟..

هتف شريف بفضول:- معلش يا طنط .. بس انا ممكن افهم ايه الحكاية !؟..ولا ده هيبقى تدخل مني!؟..
اشارت ماجدة لشريف هاتفة:- اتفضل يا بني ادخل.. معلش اتلهيت ف زينب ومقلتلكش اتفضل.. ادخل وانا هفهمك على كل حاجة ..
رفعت زينب رأسها هاتفة في رفض:- مااامااا.
هتفت ماجدة معارضة رفضها:- شريف بقى مننا وعلينا ولازم يعرف .. مفيش حاجة هتستخبى طول العمر ..
جلس شريف في هدوء منتظرا ان تحكي ماجدة ما كان يستشعر ان زينب تخبئه بين طيات قلبها الذي كان دوما يحلم بامتلاكه ..والذي كان دوما بعيد المنال ..

ما ان اندفع عفيف ومناع للخارج حتى دفعت باب المطبخ لتدخل لصحن البيت الكبير باحثة عن الخالة وسيلة التي لم تكذب خبرا وظهرت مندفعة من حجرتها التي كانت غافية بها لبعض الوقت قبل ان تتجهز لتشاركها غرفتها كالعادة ..
هتفت دلال متعجبة:- في ايه يا خالة !؟.. عفيف بيه خرج ليه مع مناع ف الوقت ده وبالشكل المذعور ده !؟..
هتفت وسيلة في قلق:- و النبي ما اعرف يا بتي .. ربنا يسترها ..ده حتى النطرة النوبة دي غير.. مبطلتش رخ من بدري..

ما ان همت دلال بالكلام حتى اندفع عفيف لداخل البيت الكبير متجها للأعلى استوقفته الخالة وسيلة هاتفة في ذعر:- ايه في يا عفيف بيه !؟.. مش خير برضك!؟.
توقف عفيف على الدرج هاتفا في عجالة:- لاه مش باينه خير يا خالة وسيلة .. النچع هايغرج.. سيل نازل م الچبل وطال البيوت اللي تحتيه ولازما نلحج الناس هناك ..
صرخت الخالة وسيلة في صدمة مصاحبة لشهقة دلال:- سيل !؟..يا رب سلم ونچى م المهالك .. وچالنا منين دِه !؟..
اكد عفيف وهو يندفع للأعلى من جديد:- النچع على مخر للسيول .. ربنا يسترها ..

تابعته دلال بناظريها مدركة ان مشروع رحيلها الذى كان معد سابقا سيبوء بالفشل بعد تلك الاحداث الجديدة .. اندفعت عائدة لحجرتها و منها للشرفة المطلة على مدخل البيت الكبير وتطلعت للجبل الغربي امامها فرأته ثائر كطفل أجبرته السماء على الإزعان لها كأم قررت ان تغسل وجهه المترب بسيل من دمعها العرم .. كان المشهد مهيب جعلها تفغر فاها مشدوهة لكنها تنبهت لبعض الضجيج بالأسفل فتطلعت لمدخل البيت الكبير لتجد عفيف و قد اعتلى صهوة فرسه واندفع في طريقه وقد أغرقته الأمطار كليا فبات منظره وهو يندفع بجواده اسفل الغيث كأحد فرسان العصور الوسطى وهو في طريقه لإنقاذ شعبه كمبعوث للعناية الألهية..

وضعت ماجدة كوب العصير امام شريف هاتفة:- اتفضل يا بني اشرب ..
مد شريف كفه للكأس وعيناه تتجه رغما عنها لتلك التي تجلس بعيدا في احد الأركان شاردة لا ترفع نظراتها عن الارض.. ارتشف القليل لتهتف ماجدة في شجن:- بص يا بني .. حاتم ده يبقى بن عم زينب .. و كان كمان ..وصمتت قليلا لتستطرد:- وكان جوزها ..
انتفض شريف موضعه هاتفا في صدمة:- جوزها !؟..

اكدت امها بلهجة موجوعة:- اه .. كان جوزها .. كتبوا الكتاب .. وكل حاجة كانت ماشية تمام .. لكن يوم الفرح ..
ساد الصمت قليلا ماجدة تلتقط انفاسها في وجيعة هاتفة:- يوم الفرح جه حاتم وابوه وقالوا لأبو زينب .. يا تتنازل عن البيت ده لينا حالا بيع وشرا.. يا اما بنتك هتتفضح النهاردة ومفيش فرح.. لأن بن عمها سمع عنها اللي يخليه ميفكرش يتم جوازه بيها ..

شهق شريف ولم يعقب ونظر لزينب التي كانت تبكي بوجع في موضعها القصي هناك بدموع صامتة تنساب على خديها ..
اكملت ماجدة هاتفة وطعم الذكري الأليم لا يفارقها:-ابوها كان مريض قلب وما استحملش اللي حصل .. كلمة منه على كلمة من اخوه .. وقع من طوله لما حاتم رمى يمين الطلاق على زينب لما عرف هو وابوه ان البيت اصلا مكتوب باسمي ومش هيطولوا منه حاجة لو اتجوزها ..

ساد الصمت من جديد حتى هتفت ماجدة دامعة العينين:- راح فيها عبدالحكيم .. ومن بعدها كل شوية حاتم ده يروح ويجي يرازي فينا .. بس كان بقاله فترة غايب بعد ما اتجوز جوازته الاخرانية دي .. ايه اللي فكره بينا تاني !؟..الله اعلم ..
ساد الصمت من جديد ليتنحنح شريف في احراج هاتفا:- طب استأذن انا بقى يا طنط .. و شكرًا على العصير ..

توجه في سرعة باتجاه الباب وقبل ان يهم بالخروج تذكر خطاب دلال فأخرجه من جيب سترته ووضعه على الطاولة القريبة منه هامسا بصوت متحشرج:- ده جواب من الدكتورة دلال لنديم .. يا ريت توصلوه ..
قال كلماته واندفع خارجا حتى انه لم يلق نظرة على تلك التي كانت تجلس موضعها كتمثال بلا روح.. رافقته امها للباب هاتفة:- سلم لي على ماما يا شريف .. شرفت يا بني ..

ما ان اغلقت ماجدة الباب حتى انتفضت زينب ترتمي باحضان امها صارخة في لوعة:- خلاص .. مش هايجي تاني يا ماما ...
ربتت ماجدة على كتف ابنتها هامسة:- بصي يا حبيبتي انا كان لازم اقوله كل حاجة عشان ميتعشمش ع الفاضي وعشان يقرر هو عايز ايه ..ولو ربنا كاتب لك رزق معاه .. هاييجي يا بنتي .. و انا حاسة انه هاييجي وابقي شوفي ..

رفعت زينب رأسها تنظر لأمها في شك لتهتف
ماجدة من جديد:- عمر امك قالت لك حاجة وخيبت ..!؟..
هزت زينب رأسها نفيا لتؤكد ماجدة:- يبقى تقولي يا رب ..
همست زينب في تضرع:- يا رب ..

لتهمس ماجدة مشاكسة ابنتها تحاول اخراجها من حالتها:- بس يا بختك يا سيادة النقيب .. مكنتش اعرف ان في ناس بتحبك قوي كده !..
نكست زينب رأسها خجلا لتهمس ماجدة:- ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي .. بصراحة هو جدع وبن حلال .. ياارب ..
تضرع قلب زينب في وجل صارخا:- ياااارب..

اندفعت دلال لداخل البيت الكبير ما ان رحل عفيف ومناع لإنقاذ ما يمكن انقاذه لتبقى بجوار الخالة وسيلة في انتظار اي جديد وصوت الرعد يجعلهما ينتقضا موضعهما كل دقيقة .. و ما زاد الامر سوءا هو انقطاع التيار الكهربائي فجأة فأصبح ضوء البرق هو ما ينير مكانهما..
همت الخالة وسيلة بالنهوض فتشبثت بها دلال هاتفة في ذعر:- انتِ رايحة فين يا خالة وسيباني!؟..
اكدت وسيلة في هدوء:- هچيب لنض نمرة خمسة عشان ننورالعتمة دي .. هنجعدوا كِده!؟

امسكت بها دلال هاتفة:- طب انا جاية معاكِ .. بس انتوا لسه بتستخدموا اللمض دي يا خالة!؟..
اكدت وسيلة وهى تدلف للمطبخ في يسر كأنها تحفظ الطريق ككف يدها حتى بقلب العتمة:- يا بتي اللنض دي من ايّام النعماني الكبير وعلى طول اني بنضفها وأشيلها لوجت عوزة واهاااا چه وجتها الشمع مينفعش عندينا دِه بيطفي من هبّة ريح ..
أخرجت وسيلة القناديل من موضعها باحد الأدراج هاتفة في سعادة:- اني لسه كنت معمراهم بالچاز .. كن جلبي كان حاسس ..
و بدأت في إشعال فتيل كل قنديل على حدى ..

أضاء المطبخ بنورالقناديل الخمس حتى اصبح وهاجا فهتفت دلال متعجبة:- المطبخ أتحول كأنه بقى الصبح ..
هتفت وسيلة بدورها في فخر:- معلوم .. تعالي نوزعوها على بره ..
امسكت كل منهما بقنديل في كل يد وتركن واحدا بالمطبخ وبدأت كل منهما في وضع قنديل بأحد الأركان حتى عم الضوء المكان طاردا جحافل العتمة التي كانت تحتله منذ لحظات.. همست دلال في وله:- ياااه .. الجو بقى عجيب.. انا حاسة اني رجعت يجي ميت سنة لورا..

قهقهت وسيلة هاتفة:- اني حاسة اني رچعت عيلة صغيرة يدي متبتة فديل چلبية امي اول نوبة ادخل فيها هنا .. بيت النعماني ..
وساد الصمت لحظات لتهتف دلال في قلق:- يا ترى ايه اللي بيحصل بره دلوقتي يا خالة !؟.. المطر كل ما دى ما بيزيد ..
همست وسيلة بقلق مماثل:- ربنا يسترها يا بتي .. عمرها ما حصلت جبل سابج .. اخر مرة شوفت فيها النچع غرجان كان ايّام النعماني الكبير وجت النيل ما كان بيدي الارض خيره ..

هتفت دلال مبهورة:- انتِ قصدك وقت ما فيضان النيل كان بيغرق الارض قبل ما يتبني السد العالي !؟..
اكدت وسيلة:- ايوه يا بتي .. كنه كِده .. كانت النعمانية دي تغرج ما تشوفي ارضها على مدد الشوف كانت المية محوطانا ومكنش بيبجى الا البيت الكبير اللي واجف صالب طوله زي دلوجت..

صمتت دلال ولم تعقب فقد ايقنت انها تعيش فترة من حياتها لن تتكرر وانها ستحتفظ بذكرياتها في النعمانية بمكان عزيزوغال بقلبها .. فقد شعرت هنا بانها اميرة عادت من قلب كتب التاريخ وحكايا الماضي ..

نادت عليه عدة مرات لكن لم يصله نداءها من اساسه فيبدو انه يغط في نوم عميق بعد عودته مرهقا عمله الذي ألتحق به منذ يومين مما جعلها تتحامل على قدمها السليمة حتى تصل للباب .. فتحته لتخرج في تؤدة وتمهل باتجاه الحمام محاولة ان لا تلق بحمل جسدها على قدمها المصابة التى لاتزل تؤلمها ما ان تلامس الارض ..
كانت قد اقتربت من الحمام لينفرج بابه فجأة عن محيا نديم يخرج منه مترنما وهو يغيب رأسه المبتل داخل احدى المناشف بينما يحيط خصره بأخرى ..

شهقت في ذعر لمرأه بهذا الشكل وكاد ان يختل توازنها وتسقط ارضا وخاصة بعد ان تعالت تأوهاتها لانها رغما عنها وهى تحاول التماسك ضغطت على قدمها المصاب مما استرع انتباهه على الفور ليجذب المنشفة عن وجهه ليجدها امامه على وشك السقوط ارضا فاندفع اليها ملتقطا إياها بين ذراعيه ..
حملها عائدا بها الى حجرتها هاتفا بها في غضب لا يعلم مصدره:- ايه اللي خلاكِ تقومي من مكانك !؟ .. انا مش قايل لك تناديني لو احتجتي حاجة.!..
هتفت بصوت مهتز النبرات وهي تلامس صدره بهذا الشكل الحميمي:- انا ناديت والله .. بس انت مسمعتش ..

وضعها علي الفراش برفق يتناقض مع هتافه الغاضب من جديد:- يبقى تستني لما اسمع..
وصل لذروة انفعاله بالفعل.. فذاك الغضب الذي كان يدع انه لا يعرف مصدره هو يعرف بل على يقين انه نابع من قربه منها بهذا الشكل الذي ما عاد قادرًا على السيطرة عليه .. كان قد اخترع موضوع المقعد المدفوع حتى يتحاشى اي تلامس بينهما .. لكن تحركاتها الغير محسوبة تلك يدفع هو ثمنها من أعصابه وقدرته على ضبط النفس ..

هم بالابتعاد عنها مسرعا لكن خفه المنزلي الذي كان لايزل مبللا جعل ساقه تنزلق ليسقط مندفعا تجاهها .. لتصبح في تلك اللحظة اسيرة ذراعيه .. شهقت في صدمة لكن تلك الشهقة الملتاعة الصادرة منها لم تمنعه من الشرود التام بها والتطلع اليها في عشق.. تلاقت عيناهما في صمت راعد وصخب اخرس .. وحوار دار بين كفها الأيمن وباب صدره الذي كان يتوسده طارقا لعل هذا الفؤاد الثائر بالداخل يجيب ذاك الداع ..
اقترب في تيه وشوق .. يدعوه ثغرها الوردي وما عاد قادرًا على تجاهل نداء تمنى تلبيته طويلا ..

لكن وللعجب ظهرت صورة دلال بالأفق لتحول بينهما في لحظة ليسطع خاطره بنور التعقل وقد ادرك مغبة ما كاد ان يقدم عليه .. اخته الغالية بين يديّ شقيقها .. وان لم يتق الله فيها هنا .. فكيف سيكون حال اخته بدورها هناك !؟.. هو يعلم انها زوجه .. حلاله .. لكن شئ ما حاك بصدره جعله ينتفض مبتعدا في ذعر .. نظر الي ناهد في اضطراب واخيرا اندفع مهرولا خارج حجرتها مغلقا بابها خلفه في عنف .. لتنتفض هى بدورها وقد ادركت ان كلاهما لن يعود لسابق عهده مرة اخرى ابدا .. وان الهوى الذي كان ينكر كلاهما المسير في دربه قد جهر باسميهما في قلب ميدان عامر ليُفتضح أمرهما وتتعرى مشاعرهما امام اعين لطالما أنكرتها .. أعينهما..

هتفت ورد داخل خيمتها التي كانت قد نُصبت حديثا منذ ساعات قليلة عند وصول جماعة الحلب لذاك المولد المعروف بتلك البلدة التي كانت تبعد عن النعمانية:- يخيبك يا بت يا لواحظ.. كل ده يطلع منك !؟.. تاريكِ مش هينة يا حزينة !؟..
كانت لواحظ قد حكت لورد صديقتها عما فعلت بصفوت وكيف جعلته كعجين طيع بين كفيها تشكل فكره كيفما شاءت وتوجهه لأفعال تخدم رغباتها في المقام الاول مدعية انها تسدي له الخدمات..

أطلقت لواحظ ضحكة رقيعة ممطوطة هاتفة في دلال ممجوج:- ولسه !؟.. هما شافوا مني حاچة!؟.. اللي ف چراب لواحظ كَتير ..
هتفت ورد صديقتها محذرة إياها:- لواحظ .. انت ناوية على ايه يا بت عم خفاچى !؟..احنا مش كد الناس دول .. انتِ صاحبة عمري و كيف اختي وخايفة عليكِ .. الناس دي لحمها مر وما ليهم عزيز ولاغالي بره بدنتهم ياخية ..

قهقهت لواحظ من جديد هاتفة بلامبالاة:- ولا يهمني .. بكرة لما يبجى ولاد الحلبية اسياد البلد هتعرفي انه كان عندي حج ..
هتفت ورد في ذعر:- ولاد مين !؟.. دوول يدفنوكِ حية انتِ وناسك كلهم .. بلاها اللعبة دي يا حبيبتي .. خلينا ماشيين چنب الحيط ربنا يسترها معانا ..
نظرت لواحظ الى ورد في اشمئزاز هاتفة:- اهو الكلام دِه هو اللي مخلينا محلك سر .. ولو مشيت وراه هعيش وأموت غازية الكل طمعان فيها .. لكن اني هانم .. واتولدت عشان ابجى ست الستات .. هى اي هانم اجل مني ف ايه !؟.

ودارت لواحظ حول نفسها في تيه وخيلاء تستعرض جمالها الفتان القادر على سلب ألباب الرجال مما دفع ورد لتتنهد في إشفاق هاتفة في قلة حيلة:- هجول ايه!؟.. راسك كيف الصوان .. اعملي ما بدالك .. وربنا يسترها ..
تطلعت لواحظ لصديقتها في كبر واندفعت خارج الخيمة تمشى الهوينى حتى الشادر المنصوب لعروضهم الراقصة متجاهلة أنظار الرجال المعلقة بها في كل خطوة ..

انتفضت شريفة من موضعها في اتجاه الباب عندما شعرت بحركة ما خلفه .. اخيرا وصل شريف وانفرج الباب عن محياه لتهتف ما ان طالعها محيا ولدها:- هااا .. عملت ايه يا شريف!؟.. كلمت مامتها !؟..
هتف شريف محاولا تغيير الموضوع بمزاحه الذي حاول اصطناعه هذه المرة:- ايه ده يا حجوج !؟.. انتِ ازاي لسه صاحية لحد دلوقتي!؟.. اللي ف سنك ناموا من بدري يا جميل ..

هتفت امه مبتسمة:- قول بقى يا شريف .. خدت ميعاد نروح لهم فيه !؟..
همس شريف بلهجة غامضة:- لا يا ام شريف .. الموضوع هيتأجل شوية ..
هتفت شريفة في امتعاض:- ليه بس يا بني !؟.. ده انا ما صدقت قلبك مال لواحدة وقلت خلاص هى دي ..
تنهد شريف مؤكدا وهو يقبل هامة امه:- معلش بقى يا ماما .. عندهم ظروف مخلتنيش اقدر افاتحهم ف الموضوع .. ربنا يسهل يمكن ف الاجازة الجاية .. كله بأمر الله ..
همست شريفة رابتة على كتفه:- ونعم بالله يا حبيبي ..

هم شريف بالتحرك في اتجاه غرفته لتستوقفه هاتفة:- طب احضر لك العشا يا حبيبي !؟..
هز رأسه رافضا:- لا مليش نفس يا ماما .. روحي نامي انت بقى اتاخرتي عن ميعاد نومك النهاردة.. و انا لو جعت هعرف اتعامل.. متقلقيش ..
همست وهى تتجه لغرفتها:- طب تصبح على خير يا حبيبي ..
همس مجيبا:- و انتِ من اهل الخير ..

دلف لغرفته مغلقا بابها خلفه واتجه لفراشه ليتمدد عليه بكامل ملابسه .. وتطلع لسقف الغرفة في تيه .. فمعرفتة بذاك السر الذي كان ينأي بها عنه جعله يهتز داخليا .. لا يعلم بحق ما الذي يعتريه .. هل هى صدمة الحقيقة !؟.. ام ما قد يترتب عليها من احداث قد تغير بعض من توجهاته !؟..وهل سيغير ذلك شيئا من حقيقة مشاعره تجاهها !؟..
هو بالفعل لا يدري .. يشعر بتيه وضياع حقيقي .. ولا يعرف كيف السبيل للراحة ..

اندفع عفيف خلف مناع الذي سبقه على ذاك الجسر للجانب الاخر من النهر الذي يمر بالنعمانية لإنقاذ اهل بيته من الغرق المحتم.. مرعفيف تاركا فرسه عبر الجسر القديم المقام بأول النجع والذي كان يربط ضفتي النهر قديما وكان يستعمل في الأنتقال من والى هناك لكن ساكني الضفة الاخري كان من الاسهل عليهم استخدام المعدية بدلا من قطع تلك المسافة الكبيرة حتى الوصول للجسر .. لكن عفيف فعل مضطرا فما من معدية يمكن استخدامها في مثل ذاك الجو وما ان مر للجانب الاخر حتى حمد ربه فالجسر قديم وبالكاد تحمل ثقله للمرور عليه ..

اندفع في اتجاه البيوت التي بدأت المياه تغمر أعتابها بشكل ينبئ بكارثة وتطلع على قدر استطاعته ليرى بيوتا اخرى اخذها اندفاع المياه في طريقه ..
لمع البرق في السماء ليصبح الليل نهارا وتبعه صوت الرعد الذي كان يصرخ كامرأة مذعورة فوق رؤسهم ..
اخذ يتنقل صارخا في كل من يقابله من اهل النجع:- ع الچسر الجديم .. روحوا ناحية الچسر الجديم ..

كان صوته يحاول هزيمة صوت الرعد الذي كان يأبى الانهزام .. لكن عفيف لم يقف مكتوف الأيدي ظل يصرخ ويصرخ ويعانده الرعد صارخا بدوره حائلا بصرخاته لصوت عفيف من الوصول للناس حتى كاد ان ينقطع وهو يأمر الناس بالتوجه للجسر القديم ..
شعر ان الامر لن يفلح بهذه الطريقة .. فالكثير من الأسر لاتزل محصورة داخل بيوتها خوفا من الخروج .. لا يعلمون ان البقاء يشكل خطر اكبر .. وان بقاءهم قد يعني هلاكهم وذويهم ..

كانت الصرخات المذعورة للنساء والأطفال تأتيه من هنا وهناك فيدرك ان عليه التصرف سريعا وإلا فان الامر سيخرج عن السيطرة مع ازدياد سرعة اندفاع المياه واستمرارهطول الأمطار بهذه الغزارة ..

مد كفه نازعا احد العوارض الخشبية واحتمى بجدار يحاول إشعالها .. حاول عدة مرات واخيرا نجح .. اندفع يحاول الخوض في المياه ملوحا بها ليتجه الناس باتجاه الجسر ..
كان يحاول ان يحافظ على الشعلة على قدر استطاعته بعيدا عن سيل المطر فيضع كفه حافظا لها ويبعده ملوحا بها ما ان يستشعر النيران تلهب باطنه .. ظل على هذه الحال عدة مرات حتى تنبه الناس لإشارته فاتجه الجميع باتجاه الجسر الذي كان مناع وأسرته اول المتجهين نحوه ..

هتف عفيف امرا مناع في حزم:- اچمع الرچالة بسرعة ..
نفذ مناع وهو يخوض الماء الذي وصل لمنسوب ركبتيه تقريبا..
اجتمع الرجال في لمح البصر ليهتف عفيف امرا بصوت جهوري ليسمعه الجميع:- كلكم تحت الچسر الجديم ياللاه .. هنا المية يا دوب هتوصل لوسط اجصركم .. هنسندوا الچسر لچل ما تعدي الحريم والعيال الصغيرة .. هموا..

اندفع الرجال في عجالة للتنفيذ وكل منهم بداخله رغبة لإنقاذ أهله للابتعاد من هذا الجانب من النهر والأقرب للجبل والذي تندفع منه المياه بقوة كبيرة تأخذ كل ما تستطيعه بطريقها .. حتى ان بعض البيوت الضعيفة الاساس والمبنية ببعض الطوب اللبن اوالخوص قد جرفها تيار المياه الشديد الاندفاع مهدما إياها ..
نزل عفيف ومن بعده الرجال كل منهما يسند ذاك الجسر العتيق القدم بكتفه في محاولة ليكون المعبرالذي تمر منه النساء والاطفال للطرف الاخر من النهر الصغير الضحل في هذه المنطقة والذي يمر بالنعمانية ..

كان احد الرجال من كبار السن يقف على طرف الجسر الاول مساعدا الاطفال والنساء في المرور ومشجعا إياهن يحاول ان يضبط حمولة المرور حتى لا تتتزاحم النساء ويحدث ما لا يحمد عقباه .. وعلى الجانب الأخر كان رجلا مماثلا يستقبلهن ويحثهن على المضي قدما في اتجاه التلة المقام عليها البيت الكبير ..
كان المطر لايزل يهطل بغزارة وكأن ابواب السماء فُتحت على مصرعيها .. وكان الماء قد وصل لصدور الرجال التي تحفظ توازن الجسر عندما مرت اخر مجموعة من النساء باطفالهن .

امر عفيف الجميع بالصعود في اتجاه الطرف الاخر وكان هو اخر من خرج من الماء مندفعا يمتطي فرسه الذي كان منتظرا بذاك الجانب من الجسر.. انتظر موضعه حتى يتأكد من ابتعاد اخر رجل في اتجاه البيت الكبير واستدار ناظرا مدققا النظر قدراستطاعته ليتأكد ان ما من احد قد خلفه ورائه دون معاونة .. لكن فجأة..
بدأت شرارات عجيبة في التطاير هنا وهناك وكأن السماء ما اكتفت.. كانت تلك الشرارات تضئ كما البرق الذي كان مصاحبا لها في بعض الأحيان ..

لقد كان احد ابراج الكهرباء المقام على الطرف البعيد من ذاك الجسر في اول النجع وقد بدأت أسلاكه في قذف تلك الشرارات جراء البرق الذي يبدو انه ضرب احداها ..لكن يبدو ان الامر كان اكثر سوء مما تخيل البعض فقد اختل توازن برج الكهرباء برمته نتيجة صخرة انهارت معلنة التمرد على ابيها الجبل لتصطدم ببرج الكهرباء ليسقط مندفعا في اتجاه الجسر.

كان المشهد مهولا بل مفزعا والشرارات تزداد تطايرا نتيجة انقطاع باقي اسلاك الكهرباء الرابطة للبرج بالأبراج الاخري ..
سقوط البرج زاد الهرج بين الناجين ليندفعوا مسرعين في ذعر باتجاه التلة وصرخات النساء وعويل الاطفال يثير الاضطراب ..
ألتفت مناع باحثا عن عفيف بين تلك الجموع الهاربة لكنه رأه هناك بين ذاك الزخم الحادث و لم يكن بمقدور مناع الا الصراخ هاتفا في لوعة:- حاسب يا عفيف بيه ..حااااسب ..
وساد الظلام الدامس ارجاء النجع..

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W