قصص و روايات - روايات عالمية :

رواية المجهول الفصل الثامن لم تعد تكترث

رواية المجهول للكاتبة ايفون ويتال

رواية المجهول الفصل الثامن لم تعد تكترث

كانت جيسيكا تقوم بجولتها الأسبوعية في المستشفى، عندما طلب منها عبر المذياع التوجه فوراً لمقابلة الدكتور اوبريان في العيادة. أدركت على الفور أن هناك طارئاً، فابدلت ملابسها و قادت سيارتها بسرعة جنونية غير مبالية بقوانين السير.

و خلال دقائق وصلت أمام العيادة و توجهت مباشرة إلى مكتب بيتر لتجده مجتمعاً إلى دان. ما أن أغلقت الباب خلفها حتى بادرهما الدكتور اوبريان موضحاً:
- تلقيت مكالمة هاتفية من ممرضة خاصة تعمل في مقاطعة فندا، أخبرتني أن سيدريك كابوفو زعيم المقاطعة مريض و يحتاج لرعاية طبية عاجلة، و نظراً لسنه ارتأت الممرضة عدم نقله من منزله إلى المستوصف الذي يبعد عنهم حوالي العشر كيلو مترات.

سأله دان باهتمام:
- مما يشكو يا دكتور؟
- تظن الممرضة أنها الزائدة الدودية. الوقت يمر بسرعة و اقترح أن ترافقك جيسيكا.
- يلزمنا ساعتان أو ثلاث لنصل إلى هناك في السيارة، فأنت تعلم حالة الطرقات في تلك المنطقة.
- قد أطلب من برنارد إيصالكما بطائرته، لكنها لا تتسع لأكثر من راكبين.

تدخلت جيسيكا للمرة الأولى منذ وصولها مقترحة:
- بامكاني قيادة الطائرة ان وافق برنارد على اعارتي اياها.
التفتا إليها باندهاش و ذهول، و تقدم دان منها سائلاًً بسخرية:
- هل تجيدين قيادة الطائرة؟
ردت جيسيكا بالنبرة نفسها:
- أجل و أحمل أجازة في الطيران. هل تود رؤيتها؟

قاطعهما بيتر قائلاً:
- سأتصل بالمزرعة و ان لم أحظ ببرنارد سأدع أوليفيا تبلغه الرسالة.
تناول بيتر سماعة الهاتف على الفور، و ماهي إلا دقائق قليلة حتى استدار ناحيتهما مبتسماً بارتياح:
- سيهيىءبرنارد الطائرة لتكون مستعدة للاقلاع فور وصولكما. و في هذا الوقت سأتصل بالممرضة في فندا لاتخاذ التدابير اللازمة لاستقبالكما.
هتف دان بحزم متجهاً نحو الباب تتبعه جيسيكا:
- حسناً، فلنتحرك بسرعة قبل فوات الأوان.

وصلت سيارتا الطبيبين معاً إلى المزرعة، حيث كان برنارد في انتظارهما على المدرج الضيق بقرب طائرة صغيرة مخططة باللونين الأحمر و الأبيض. لم يحاول برنارد الاستفسار عن تفاصيل المهمة، مكتفياً بارشاد جيسيكا إلى الخط الواجب اتباعه أثناء تحليقها. ثم تقدم من دان الواقف بعيداً و ربت على كتفه ممازحاً:
- تشجع يا دان فان كانت جيسيكا تجيد التحليق كاجادتها الطب، فستكون في أيد أمينة.

- بأمكاني التفكير بأماكن أخرى أكثر أماناً.
سخرت جيسيكا منه معلقة:
- يا لك من جبان.
- و كيف لا أخاف و مصيري بين يدي امرأة؟
تجاهلت عبارته و التفتت نحو برنارد مصافحة:
- شكراً جزيلاً على مساعدتك يا برنارد.
و توجهت بخطى ثابتة نحو الطائرة و جلست خلف المقود، بينما تهادى دان على المقعد المخصص للركاب إلى جانبها. أشارت إليه بربط حزام النجاة قبل أن تضع جهاز الاتصال على أذنيها، فانصاع سائلاً بقلق:
- هل أنت متأكدة مما تفعلين؟

أدارت المحرك ضاحكة:
- لا تخش شيئاً فستصل إلى هناك كتلة واحدة.
- حياً أو ميتاً؟
- حيا كما أتمنى، و الآن هلا اقلعت عن المزاح؟
علا صوت المحرك مدوياً و بدأت الطائرة تهتز بهما، بينما أجرت جيسيكا اتصالاً تجريبياً مع أقرب قاعدة إلى المزرعة، ثم زادت من طاقة المحرك لتنطلق الطائرة بهما في سرعة هائلة على المدرج المعبّد. و ما أن أشار عقرب ساعة السرعة إلى الحد الاقصى، حتى ارجعت جيسيكا المقود إلى الوراء و ارتفعت الطائرة الصغيرة عن الأرض منطلقة كالسهم نحو السماء الزرقاء الصافية.

تمتم دان و قد اسند رأسه إلى حافة المقعد:
- لا بأس يا جيسيكا.
شغلها الفرح بالتحليق من جديد عن الانتباه إلى تعليقاته، فبالرغم من كرهها للأماكن العالية لم يزعجها الطيران أبداً، بل اتمت قبل قدومها إلى لويزفيل ما يقارب المئتي ساعة من التحليق بطائرات مختلفة الاحجام و الأنواع.
الجو صحو و مناسب لرحلة كهذه، لا غيوم و لا رياح بل امتدادأزرق نقي تموج في وسطه أشعة شمس ساطعة. اتجهت إلى الشمال – الشرقي و تستدل على خط تحليقها بواسطة خارطة صغيرة معلقة في سقف الطائرة. و ان سارت الأمور طبيعية فستحط في أرض فندا بعد ثلاثين دقيقة من الآن.

خرقت جو الصمت المخيم عليهما منذ الاقلاع سائلة:
- هل لديهم غرفة للجراحة في المستوصف؟
- لا أعتقد ذلك، بل لديهم ما يكفي للحالات الطارئة.
- ماذا سنفعل إذا تعذر علينا نقل المريض؟
- عندها سنجري العملية في المنزل.
ابتسمت بسخرية معلقة:
- يبدو أنك تحمل غرفة الجراحة في حقيبتك!

- ماذا تعنين بكلامك هذا؟ تعلمين جيداً أننا قد نضطر إلى اجراءالعملية بما قد نملك من تجهيزات بدائية.
تخلت عن مراقبة اتجاهها لتواجه عينيه الغاضبتين:
- أعلم ذلك. لكني أردد ما قلته لي مرة، أتذكر؟
- آه فهمت. تقصدين ملاحظتي لك لعدم نقلك أوليفيا إلى المستشفى أثناء ولادتها. أليس كذلك؟
- أجل.
- لكن الظروف مختلفة الآن.
- لا أرى أي أختلاف بين ما قد نضطر للقيام به و ما قمت به مع أوليفيا. لا بل المخاطرة أكبر بكثير هذه المرة.
أجاب بتململ ظاهر:
- دعينا من المناقشة الآن.
- حسناً، لن أتكلم من الآن و صاعداً.

- هل أنت غاضبة؟
- لست غاضبة يا دان. لكني لا أفهم تحديدك للحالة الطارئة.
- الأمر في غاية البساطة. عندما تصادفك حالة كالتي ستواجهنا بعد قليل فتسمى حالة طارئة. أي بامكانك التصرف بما هو متوافر لديك.
- حالة أوليفيا كانت من الحالات الطارئة التي تتكلم عنها، فتصرفت بما توافر عندي من أمكانات طبية، و لا أفهم لماذا انفعلت يومها.
- لأنه في مثل هذه الحالات،يحتفظ الرجال ببصيرتهم أما النساء...

قاطعته ضاحكة بالرغم من حنقها:
- لا تكرر علي هذا القول ثانية. أنت تخيب ظني يا دان، فأنا لم أتوقع أن تكون من الذين يميزون بين الجنسين.
- كل رجل يخفي في داخله نزعة للتمييز. إنما ليس هذا ما قصدته. النساء ينظرن إلى الأمور بمنظار العاطفة و أنت أصدق مثال على ذلك.
ثوان من الصمت نظرت خلالها إلى لوحة القيادة، ثم علقت ببرودة:
- لو كانت يداي حرتين في هذه اللحظة، لما توانيت عن صفعك.
قهقه دان معلقاً:
- لديك يدان ناعمتان يا جيسيكا و تسرني ملامستهما، غاضبة كنت أم لطيفة.

أيقنت أنها عاجزة عن مجاراته في الكلام و نظرت إليه بغضب:
- من الأفضل أن تساعدني في العثور على مدرج الهبوط قرب المستوصف، فلا شك في أنه يقع في مكان ما هنا.
حطت الطائرة الصغيرة بنجاح في المدرج الوحيد في فندا، و ما أن ترجلا منها حاملين حقيبتيهما الطبيتين، حتى هرول في اتجاههما رجل أسود قدم نفسه على أن باتريك كابوفو شقيق الزعيم المريض، فقادهما على جناح السرعة إلى سيارته السوداء الفخمة لتنطلق بهم إلى منزل آل كابوفو.

فوجئت جيسيكا لدى وصولهم بالبساطة الغالبة على منزل الزعيم و هو منزل خشبي أشبه بالكوخ، و مقسم إلى مطبخ و غرفة جلوس و غرفتي نوم، و مبني على الطريقة القديمة و أثاثه شبه بدائي، لكنه نظيف و مرتب و سقفه المكون من القش و أغصان الشجر، يبعث برودة منعشة بالرغم من الحر الشديد في الخارج.
بدا الزعيم بقامته المديدة و جسمه الضخم ككتلة من الشحم معدة للشواء، راح يتلوى من الالم و قد غطى الزبد فمه و جحظت عيناه، يضغط بيديه على حافتي السرير مطلقاً أنيناً خافتاً. بدا واضحاً أنه من الذين يولون بطونهم أهمية بالغة حتى أوشك السرير أن يتحطم تحت ثقله.

اقتربت منهما امرأة سوداء و قدمت نفسها على أنهاالآنسة رافيل ممرضة الزعيم الخاصة. و همست في أذن دان عدة كلمات توجه على أثرها نحو السرير و جثا بالقرب منه واضعاً يده على جبين الزعيم الملتهب.
- الألم يا دكتور، أنه يكاد يقتلني.
- أعلم أنه ألم رهيب أيها الزعيم لكنه سيزول بعد قليل.
مد الزعيم يداً مرتعشة ناحية جيسيكا سائلاً:
- من هذه السيدة؟ زوجتك يا دكتور؟
رمق دان جيسيكا بنظرة ساخرة مجيباً:
- كلا أيها الزعيم، فأنا لست متزوجاً. أنها الدكتورة جيسيكا و قد جاءت لتعاونني.
- على كل رجل أن يتزوج.

لم يعلق دان على كلام الزعيم، بل أمسك بيد جيسيكا و أومأ للمرضة بأن تتبعهما إلى خارج الغرفة.
تطلعت جيسيكا إلى وجهه العابس مستوضحة:
- ماذا سنفعل يا دان؟
- لا نستطيع نقله من هنا فالوقت يمر بسرعة عدا عن أن حياته ستكون بخطر ان نحن حركناه قيد أنملة.
التفتت إلى غرفة المريض ثم استدارت نحوه بذعر:
- هل ستجري العملية في تلك الغرفة؟

- ليس لدي خيار آخر (و التفت إلى الممرضة رافيل يعطيها تعليمات سريعة) سنحتاج إلى طاولة لوضع الزعيم عليها، ضوء قوي، ماء ساخن، و الكثير من الخرق المعقمة. بادرت الممرضة إلى تنفيذ التعليمات بسرعة مدهشة، بينما تدبر شقيق الزعيم أمر المصباح و أوصله إلى طاولة مستطيلة فتولت الممرضة التحضير للعملية.
نظر الزعيم بقلق إلى الطبيبين يتفحصان آلات الجراحة و قال مخاطباً دان:
- أشفني و سأعطيك عشر بقرات مهراً لعروسك.
ضحكت جيسيكا في سرها لالحاح الزعيم على فكرة الزواج، لكن دان بقي على عبوسه و أجاب و هو يتفحص قوة الضوء:
- لا تنسَ أن تقاليدنا تختلف أيها الزعيم

-هناك أمور لا يختلف رأيان حولها. يجب أن يكون لكل رجل زوجة (و التفت نحو جيسيكا مستطرداً) و لكل امرأة رجل. إنها سنة الحياة.

- عليك بالاقلاع عن الكلام الآن أيها الزعيم. ستخلد إلى النوم لفترة، و عندما تستيقظ ستكون أفضل حالاً.
تمتم الزعيم باللغة المحلية كلمات لم يفهمها غير الممرضة رافيل و لم يكترث بها دان، بل أشار إلى جيسيكا.
غرزت جيسيكا رأس الحقنة في أحد عروق ساعد الزعيم و انتظرت لحظات قبل أن ترفع رأسها مخاطبة دان:
- بإمكانك البدء بالعمل يا دان.
- أأنت مستعدة آنسة رافيل؟
- رهن إشارتك يا دكتور ترافورد.
- حسنا فلنبدأ الجراحة.

لم يسبق لجيسيكا أن أجرت جراحة في ظروف بدائية مماثلة، فأحست بشيء من الاضطراب بخلاف دان، الذي بدا هادئاً و هو يعمل مبضعه في جسم الزعيم حتى بانت الزائدة الدودية الملتهبة فتطلع إلى جيسيكا و العرق يتصبب من جبينه:
- الأمر أخطر مما كنت أعتقد، فالزائدة قد انفجرت. علينا أن نمنع استفحال الالتهاب.
بعد حوالي الساعة، خلع دان قفازيه الملطخين بالدم و ساعد جيسيكا على نقل الزعيم إلى غرفة مجاورة، حيث أعدت له الممرضة سريراً مريحاً فغطياه جيداً و تناولا حقيبتيهما بعدما عهدا إلى الآنسة رافيل بالعناية به.

خرجا إلى الساحة الصغيرة أمام المنزل حيث التقيا بباتريك كابوفو، فطمأناه إلى صحة أخيه.
- هل ستغادراننا على الفور يا دكتور ترافورد؟
- لن نرحل قبل التأكد من زوال الالتهاب تماماً، و قد يستغرق ذلك يوماً كاملاً.
فوجئت جيسيكا بجواب دان لا سيما و أن أياً منهما لم يجلب معه ثياباً أضافية. فقد توقعا عملية جراحية بسيطة و لم يحسبا حساباً للالتهاب. هتف شقيق الزعيم بارتياح:
- عظيم، فالليلة نقيم احتفالاً هاماً و يشرفنا حضوركما. ستشاهدان رقصة الدومبا تؤديها الفتيات اللواتي تحضرن للزواج و المعروفة برقصة الأفعى لدى البيض.

انفرجت أسارير دان شاكراً مضيفه:
- شرف لنا أن نكون ضيفيك.
- تعالا إذن، سأرشدكما إلى كوخيكما.
لم تعلم جيسيكا ما يجول في خلد دان. ففكرة النوم في كوخ بدائي أثارت في نفسها قلقاً و هلعاً، لكن ما ان وقع نظرها على المكان الذي ستمضي فيه ليلتها، حتى علت الدهشة وجهها.
كوخ حديث الشكل، سقفه متقن الصنع و أثاثه من خشب الصنوبر، و يحتوي على حمام مجهز بأحدث أساليب الراحة.
لاحظ باتريك اندهاشها فقال موضحاً:
- ما زال سيدريك يفضل العيش في السابق، أما هذه الأكواخ فقد صممت و أثثت خصيصاً لراحة ضيوفه.

توردت وجنتاها خجلاً و قالت:
- لا شك في أننا سننعم بالراحة فيها. شكراً جزيلاً.
التفت نحو دان سائلاً:
- هل اتصل بالدكتور اوبريان لأخبره ببقائكما هنا الليلة؟
- سنكون لك من الشاكرين.
- أمرت إحدى زوجات أخي بالسهر على راحتكما و تأمين كل احتياجاتكما. سأناديكما حالما يظهر القمر، لأن الاحتفال يبدأ فقط عند حلول الظلام.
انحنى امامهما باحترام و انصرف تاركاً جيسيكا مع دان أمام باب كوخها.
- يبدو أننا مقبلان على سهرة مسلية.
- هل شاهدت رقصة الأفعى من قبل؟
- أجل انما في أحد الأفلام السينمائية، و أنت؟

- سنحت لي فرصة مشاهدتها بعد وصولي إلى لويزفيل بأيام، و هي تستحق المشاهدة مرة أخرى.
- إني أتحرق شوقاً لرؤيتها!
لم يلحظ ابتسامتها، فقد استدار من غير أن يلتفت إليها متوجهاً إلى كوخه. فدخلت الكوخ المخصص لها و أقفلت الباب خلفها، فالحر الشديد يسبب لها دواراً، و التعب بدأ ينهش أوصالها. ما أن تمددت على السرير حتى سمعت طرقاً على الباب ففتحته لتجد نفسها أمام عربة صغيرة صفت عليها أطباق الطعام و أبريق كبير من عصير البرتقال المثلج. شكرت جيسيكا الفتاة التي جلبت العربة و أقفلت الباب من جديد، لتملأ معدتها الخاوية بهذه الوجبة اللذيذة. بعدما أخذت حماماً بارداً و اخلدت للنوم بعد نهارها المضني.

لم تدر كم من الوقت غفت، لكنها استيقظت لتجد دان منحنياً فوقها... للمرة الأولى يراها من غير تبرج.
همس دان بسخرية بعد أن لاحظ ارتباكها و تورد وجنتيها:
- العشاء جاهز.
و كأنه قرأ ما يجول في خاطرها، توجه نحو الباب مردفاً:
- طلبت من زوجة الزعيم أن لا تزعجك، فقامت بتحضير مائدة لشخصين في كوخي.
تنفست جيسيكا الصعداء و هي تراقبه يهم بالخروج و قالت:
- سأكون جاهزة بعد عشر دقائق.
فتح الباب و قبل أن يخرج استدار نحوها يتأمل مرة أخرى كل جزء من جسمها:
- فلتكن خمس دقائق، فأنا لا أحب اللحم بارداً.
استعادت هدوءها بعد أن أغلق الباب خلفه، فارتدت ثيابها بسرعة.

كان الظلام قد بدأ يرخي ستاره الداكن عندما انتهيا من تناول العشاء، فخرجا إلى الفسحة الصغيرة أمام الكوخ يتنزهان على الحشيش الأخضر و يرقبان بصمت ظهور القرص الفضي في قبة السماء.
بعد قليل، انضم إليهما باتريك و توجهزا جميعاً عبر الممر الصخري إلى ضفة النهر، حيث اشتعلت النيران استعداداً لبدء الاحتفال.
أمام الساحة المخصصة للرقص وقف باتريك يشرح لهما:
- في كل عام، تأتي الفتيات من المناطق المجاورة و البعيدة للمشاركة بالاحتفال الذي يرعاه الزعيم سدريك. و الليلة لدينا ما يقارب المئة و الخمسين مشتركة، و هي أكبر نسبة منذ البدء باقامة الاحتفال.

لم يقتصر الحضور على جيسيكا ودان بل غصت الساحة بالمشاهدين وقد تحلقوا حول النار يترقبون بدء الاحتفال.
فجأة اخترق المتجمهرين رجل طويل القامة زين رأسه بريش الطيور، و يرتدي ثوباً غريباً صمم خصيصاً للاحتفال، فخيم صمت كلي على الحاضرين عند رؤيتهم الرجل و قد وقف في وسط الحلقة، و همس دان في أذن جيسيكا:
- إنه قائد الدومبا، و الدومبا تعني الحياة الضخمة.

لحقت الفتيات بقائدهن و قد ارتدين ملابس شفافة و علقن في أعناقهن عقوداً من الزهر الأحمر و الأبيض. تحلقن حوله بطريقة منظمة و بإشارة من يده رحن يقمن بحركات، استعانت جيسيكا بباتريك لتدرك معناها:
- قبل الزواج تتابع الفتيات دروساً في الزواج، يتعلمن خلالها أصول الحياة الزوجية، و هن يحاولن الآن إظهار ما تعلمنه.
ثابرت الفتيات على القيام بتلك الحركات الغريبة لفترة قصيرة، ثم بدأ قرع الطبول بوتيرة متناسقة و راحت تعلو رويداً رويداً، و دب الحماس بالمتفرجين عند رؤيتهم قائد الدومبا يرفع يديه بحركة شبه هستيرية هاتفاً بكلمات مبهمة، اضطر باتريك لتوضيح معناها لجيسيكا:
- خرجت الحية من جحرها.

اصطفت الفتيات الواحدة تلو الأخرى متخذات شكل الأفعى و بدأن بالرقص أمام ناظري جيسيكا المشدوهة. ثم رحن يتلوّين أمام ألسنة النار المشرئبة نحوهن، و يترنحن بحركات منظمة على وقع الطبول و كأنهن شخص واحد.
مأخوذة بسحر الاحتفال، اتكأت جيسيكا إلى كتف دان و أحست بذراعه تطوق خصرها. لم تبال بتصرفاته و بقيت مشدودة إلى منظر الأفعى تلهب الأرض بحركاتها المجنونة، و كأنها في عالم آخر. إنها ليلة غير اعتيادية و كل ما فيها لا ينتمي إلى المعقول.

خمدت النيران بعد ساعتين من الجنون الفاتن و استسلمت الساحة إلى هدوء ثقيل مرتمية في أحضان الظلام، فانسحبت فتيات الدومبا إلى أكواخهن طلباً للراحة، و سكتت أصوات الطبول. و بعدها رافق باتريك ضيفي الأمسية إلى مسكنيهما متمنياً لهما ليلة هانئة، و عاد ادراجه إلى منزل الزعيم سدريك.
ما زال صدى نغمة الطبول يضج في رأسها فتحسها شلالاً هادراً في دمائها. ما برحت نشوة الرقص تخدر أحاسيسها و تأسر خيالها، فلم تقاوم محاولة دان لعناقها فاحتمت به بقوة و هو يرفعها بذراعيه و يتوجه بها إلى كوخه.

لم تشعر يوماً بحاجتها كما تحتاج دان الآن.
نسيت كل ما حولها و لم تعد تكترث بماضيه أو بسمعته، إنها تريده بالرغم من كل مساوئه و عيوبه، تريده لها في هذه اللحظة و في كل اللحظات...
فجأة طرق باب الكوخ بقوة، فانتفضت جيسيكا مذعورة. لكن دان سارع إلى وضع يده على فمها مانعاً إياها من الانفعال أو الصياح، فوجودهما معاً يعد أمراً منافياً لتقاليد المقاطعة، عدا عن أن كونهما معاً سيسبب حرجاً لمضيفهما الزعيم، خاصة و أن دان قد أبدى اعتراضاً على الزواج و قبول الهدية. رفعت يدها تحرر فمها من قبضته و هزت رأسها هامسة:

- لن أصيح، فأنا أدرك مغبة وجودنا معاً.
ربت دان على كتفها مبتسماً و صاح سائلاً:
- من هناك؟
أجابت الممرضة رافيل بنبرة مضطربة:
- أصيب الزعيم بحمى قوية، هلا أتيت في الحال يا دكتور ترافورد؟
- سألحق بك فوراً.
توردت وجنتا جيسيكا حياء و هي تسمع خطوات الممرضة تعود أدراجها إلى منزل الزعيم.
- إني آسف يا جيسيكا!
احتارت بما تفسر أسفه. فأجاب بنبرة يغلب عليها الحياء:
- الأفضل أن تذهب، و سألحق بك بعد دقائق.

غادر الكوخ على عجل، تاركاًجيسيكا ترتعش بالرغم من دفء المكان. و لما أيقنت أنه أغلق الباب، نهضت واقفة تفكر بما تفعله هنا.
ماذا كان مصيرها لو لم تأت الممرضة في تلك اللحظة؟ كانت ستصبح بكل بساطة ذكرى عابرة في إحدى صفحات مغامراته، أو فتاة مسكينة تجرر أذيال خطئها تائهة في هذا العالم. خرجت من كوخه كاللص تحاول الاختباء كلما سمعت صوتاً أو لمحت خيالاً، و توجهت مباشرة إلى منزل الزعيم.

رائحة الأدوية تملأ الغرفة، و النور الشاحب المنبعث من القنديل القديم يضفي على المكان جواً من الرهبة، فدخلت متفادية النظر إلى دان الذي بدوره لم يول وصولها أي اهتمام. بدا مختلفاً عما كان عليه منذ دقائق يضمها إليه و يهمس لها بكلمات عذبة، فقد عاد إلى رزانته يعاملها كطبيبة مساعدة لا أكثر، فنفذ أوامره و تعليماته. لن تعترض على تحوله المفاجئ، فهي بحاجة ماسة إلى ما يصرفها عن التفكير بما حصل في الكوخ. فتناولت الحقنة من يد دان و غرزتها في ذراع الزعيم يرقبان بقلق ردة فعله للدواء. بقيا قرب المريض حتى منتصف الليل حينما نهض دان عن مقعده و أمسك بيده يتفحص نبضه ثم علق بارتياح:
- بإمكاننا أن نرتاح الآن، فقد زال الخطر.

همست الممرضة مقترحة:
- سأبقى إلى جانبه لفترة ثم استدعي من يحل مكاني.
أومأ دان برأسه موافقاً و حمل حقيبته يحاول اللحاق بجيسيكا قبل أن تغيب عن ناظريه، و سار إلى جانبها صامتاً و كأنه فقد القدرة على النطق. تمنت لو يقول لها شيئاً، أي شيء يساعدها على التخلص من قلقها و خوفها، أن يتفوه بكلمة تطمئنها و تزيل الفتور القائم بينهما. لكنها لم تسمع سوى تحطم الاغصان اليابسة تحت أقدامهما تجرّح السكون المخيم على القرية باسرها.

وصلا إلى أمام كوخها فوقفت عند الباب و تمنت له ليلة هانئة. لكنه طوقها بذراعيه يحاول ضمها إليه، فدفعته عنها بهلع قائلة بنبرة حازمة:
- لا يا دان. ما حصل منذ ساعات كان غلطة لا أريدها أن تتكرر.
أمسك بكتفيها ضاغطاً بأنامله على جلدها الطري حتى كادت تصرخ من الألم:
- لم تكن غلطة يا جيسيكا. كنت تريدينني بقدر ما كنت أريدك.
- لا أنكر ذلك. كانت نزوة و لا أكثر و أنا نادمة على ذلك.
رفع يديه عنها بقوة فأوشكت أن تقع و سألها بحنق:
- هل أنت جادة في ما تقولين؟

في كلماته شيء من القلق المجبول بالصدق، لكنها لم تشأ المجازفة و اتكأت إلى الباب ترفع خصلات شعرها عن وجهها مجيبة بصوت متهدج:
- أجل... إني أعني ما أقول.
بقي صامتاً للحظات كبركان يستعد للانفجار، ثم علا صوته متوعدا:
- في هذه الحالة، لا أرى داعياً لخوفك مني بعد الآن فأنا لن ألمسك ثانية.
أثارت كلماته القشعريرة في جسمها و كأنها كتل من الجليد اخترقت أعماقها، و راقبته يبتعد عنها بخطوات ثابتة و الألم يحز في نفسها.

هجر الكرى عينيها تلك الليلة فراحت تتقلب في فراشها مستسلمة لدوامة من الأفكار، تراجع ما مر عليها طوال اليوم. منذ بدء رقصة الدومبا و اللحن المثير الذي سرى في عروقها، لا تعي سوى حاجتها إلى حب رجل تدرك كل الادراك أنه سيتخلى عنها فور نيل مأربه منها. حاولت منذ البداية أن تنظر إليه كطبيب فقط و ليس كرجل قادر على إغواء أية امرأة، لكنها اكتشفت استحالة تجاهل تأثيره إلى الأبد، فهو رجل يصعب تجنبه لما يتمتع به من رجولة و قوة. انه يتمتع بمقدرة هائلة على تحريك مشاعرها و أثارتها، و قد أثبت هذا منذ لقائهما الأول، فوجدت نفسها في وسط التيار الجارف تقاوم شيئاً أقوى منها بكثير. أحبته بسرعة و بسهولة و تركته يقلب حياتها رأساً على عقب.
أمر واحد يغيظها و يقلقها في آن، و هو حياؤها الشديد منه. أحست بجدار خفي يفصلها عنه و يبقيه لغزاً غامضاً. لا تنكر أنه كان لطيفاً معها، لكن لطافته ليست سوى وسيلة للوصول إلى مبتغاه فهو ليس من الذين يتوسلون القوة و العنف لنيل مآربهم.

أحست بضياع رهيب عاجزة عن تفسير أحاسيسها، فلجأت إلى البكاء تدفن بدموعها سخطاً هائلاً على نفسها و ألماً مبرحاً يفجر أعماقها. و للمرة الأولى منذ سنوات تبكي لتنام، و لكن حتى النوم لم يخفف من وجعها. فصورة دان غزت أحلامها و رأت نفسها جاثية أمامه متوسلة حنانه و حبه و هو يضحك ساخراً منها يرفسها برجله بتعجرف و سطوة.

استيقظت في الصباح الباكر على تغريد الطيور و الدموع تبلل وجنتيها، ففتحت نافذة الكوخ ترحب بدفء الشمس يلفح وجهها بعد ليلة من العذاب و القهر.
ارتدت ثيابها بسرعة و وقفت أمام المرآة تتأمل وجهها الشاحب و عينيها اللتين اذبلهما الحزن. ثم تناولت حقيبتها الطبية و اتجهت إلى منزل الزعيم سدريك.

قصص مشابهة:
الآراء والتعليقات على القصة
قصص و روايات مختارة