قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الرابع

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني بقلم منال سالم

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثاني للكاتبة منال سالم الفصل الرابع

سحبت شعرها الذي تناثر أسفل بلوزتها المنزلية لتجمع خصلاته معًا وعقدته كعكة أعلى رأسها، ثم التفتت نحو الفراش لتلتقط ثيابها الملاقاة عليه ووضعتها في السلة الخاصة بالملابس المتسخة. لمحت "فيروزة" توأمتها وهي تختلس النظرات من باب الغرفة، بالطبع كانت تتشوق لمعرفة نتائج المقابلة المدبرة مع "هيثم" وابن خالته، جلست على طرف الفراش تطالعها بنظراتها المتفرسة فيها، تقدمت "همسة" نحوها وهي تفرك يديها معًا، في حين استطردت الأولى تفاتحها في الحديث:
-مكانش ليها لازمة الحركة دي يا "همسة"، باينة أوي على فكرة.

ابتلعت ريقها، وعلقت بتباطؤ محاولة البحث عن كذبة جيدة لتنطلي عليها:
-هو "هيثم" كان.. بيسأل.. عن حد بيعمل هدايا السبوع.
قالت بتهكمٍ:
-على أساس إن مافيش غيرنا في البلد؟!
عضت على شفتها السفلى في ربكة أكبر، وهتفت مبررة:
-ما هو.. يعني.. إنتي أولى.. والحكاية جت بالصدفة.
لوت ثغرها مرددة بنفس الأسلوب الساخر:
-بجد؟ صدفة؟

ابتسمت "همسة" مضيفة وهي تجلس إلى جوارها:
-إنتي مكبرة الموضوع ليه يا "فيروزة"؟ دول زباين زي أي حد.
رمقت توأمتها بنظرة متشككة نفذت إليها، وردت عليها بجدية:
-عمومًا بلغيه يجي يستلمها بنفسه، مش لازم البودي جارد بتاعه.
تطلعت إليها في حيرة، وسألتها مستفهمة:
-قصدك مين؟

أجابتها بنبرة تعمدت تفخيمها لتسخر منه:
-هايكون مين غيره، سبع الليل المعلم "تميم".
دافعت عنه "همسة":
-تعرفي إن "هيثم" على طول بيشكر فيه وبيقول عليه جدع وابن بلد وآ...
قاطعتها بنبرة ناقمة وقد قست نظراتها:
-"همسة" الظاهر إنك بتنسي بسرعة، اللي بتقولي عليه جدع ده هو السبب في كل المشاكل اللي وقعنا فيها.

نظرت لها توأمتها في خجلٍ، كانت مصيبة في قولها، بينما تابعت "فيروزة" الإفراج عن مكنونات صدرها لتذكرها بما غفلت عنه:
-عاوزاني أصدق إنه ابن بلد وإنتي شوفتي البلطجية بتوعه عملوا فينا إيه؟ دول حرقوا عربيتنا ومحدش قدر يفتح بؤه، مش عشان هو جدع وابن أصول، لأ عشانه بلطجي ودي العينة اللي مصاحبها..
غلف صوتها المزيد من المرارة والألم وهي تكمل:
-حتى حقي مخدتهوش منه، ده أنا اتنازلت عنه مُجبرة بعد ما خالك عدمني العافية..

نكست "همسة" رأسها في خزيٍ، وأضافت "فيروزة" بصوتها الذي اختنق:
-وإنتي نفسك خطوبتك مكانتش بالرضا، فاكرة حصلت إزاي؟ بالإجبار يا "همسة"، بالإجبار!
انتفضت واقفة لتقول برجاءٍ:
-كفاية يا "فيروزة".
نهضت واقفة هي الأخرى، وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها، ثم نظرت في عينيها لتقول بجمود اكتسبته نبرتها:
-دي الحقيقة اللي إنتي بتحاولي تخليني أنساها، وأتعامل معاهم عادي، بس للأسف مش نافع.

ورغم إحساس القهر الذي يعتريها إلا أنها ردت:
-انسي الماضي باللي فيه، وجايز اللي جاي يكون أحسن.
تساءلت في استنكارٍ:
-بأمارة إيه معلش؟!
تبادلت كلتاهما نظرات مطولة متناقضة، فالأولى رافضة لمبدأ التسامح مع من تسبب لها في الأذى، والثانية تميل للخنوع والاستكانة.. وقفت والدتهما عند أعتاب الغرفة متسائلة في استغرابٍ حين رأتهما على تلك الحالة:
-في إيه يا بنات؟

التفتت "همسة" برأسها نحوها، وأنهت المناقشة قائلة:
-مافيش يا ماما.
تراجعت "فيروزة" عن توأمتها لتعاود الجلوس على طرف الفراش، وظلت الأخيرة واقفة تستمع إلى والدتها التي استأنفت كلامها:
-طب تعالوا .. مرات خالكوا برا
وضعت "حمدية" يدها على كتف شقيقة زوجها، وقالت مبتسمة بسماجةٍ:
-ويجوا ليه؟ هو أنا غريبة، دول بناتي.

سلطت أنظارها عليهما قبل أن تلج للغرفة لتلقي نظرات متفحصة على محتوياتها، وهتفت في لؤمٍ:
-سمعت إنكم رايحين السبوع حفيد المعلم "بدير"، وطبعًا احنا معاكو.
نفخت "فيروزة" في ســأم، وعلقت هامسة بتبرمٍ:
-يا ربي، أنا مش نقصاها.

وضعت "حمدية" ذراعها على "همسة"، وسألتها بنظرات غريبة غامضة:
-"هموستي" حبيبتي، هو إنتي هتلبسي شبكتك؟
لم تفهم المغزى من سؤالها، وأجابت وهي تهز كتفيها بالنفي:
-معتقدش.

برقت عيناها بوهجٍ ماكر وهي تستأذنها بلطفٍ مبالغ فيه لا يتماشى مع شخصيتها:
-طب أنا كنت عاوزة أستلف منك السلسلة ألبسها يومها؟ ماشي يا حبيبتي..
ثم تصنعت العبوس، وأكملت بأسلوبها الناعم الملتوي المراوغ في الحديث لتحصل على مبتغاها:
-لأحسن معنديش حاجة تليق، برضوه لازم نظهر قصاد نسايبنا إننا نملى العين،ولا إيه رأيك يا "آمنة"؟

اندهشت "همسة" من وقاحتها التي لا يضاهيها شيء، ونظرت إلى والدتها منتظرة تدخلها لحسم الأمر حتى لا تختلق مشكلة معها من لا شيء، لكن الأخيرة ألقت الكُرة في ملعبها حرجًا منها، واستطردت تقول:
-مش عارفة يا "حمدية"، دي حاجة "همسة"، هي اللي تقول.
زوت ما بين حاجبيها بقوةٍ، وغمغمت محتجة بتأفف:
-هو أنا هسرقها؟ ده الحاجة معايا تزيد يا "آمنة".. جرى إيه؟

لم تجد "فيروزة" بدًا من إحراجها حين رأت التردد على وجهي كلتيهما، فتشدقت متسائلة بما يشبه السخرية:
-تفتكري يا مرات خالي لما نسايبنا المبجلين يلاقوكي لابسة شبكة "همسة" هيقولوا إيه؟!
تجاهلت الرد على سؤالها، وصاحت بتذمرٍ:
-قولوا إنكم مستخسرينها فيا؟
ردت عليها تواجهها ونظرات الازدراء تعلو حدقتيها:
-لأ يا مرات خالي، بس مش هاينفع، فكري فيها كويس.

سددت لها "حمدية" نظرة نارية مغتاظة منها تود خنقها، وهتفت بتكشيرة عظيمة:
-ماشي بشوقكم.
ثم اتجهت للخــارج فتبعتها "آمنة" على الفور لتسألها:
-رايحة فين يا "حمدية"؟ ده أنا علقت على الشاي و...
قاطعتها بتجهمٍ كبير ملوحة بذراعها:
-طالعة بيتي، نفسي اتسدت.
ضربت "فيروزة" كفها بالآخر مبتسمة في سخطٍ قبل أن تعلق على الموقف برمته:
-أنا مشوفتش في بجاحتها الصراحة.
شاركتها "همسة" الابتسام وردت:
-معاكي حق.

يومــان آخران انقضيا عليها في المحل وقد أكملت كل ما كُلفت به من مهام لتصبح كافة الطلبيات جاهزة للتسليم، تركتها "علا" بمفردها في المحل لتبتاع النواقص، وتابعت "فيروزة" ترتيب الرفوف العلوية بالجديد من المعروضــات لتلفت أنظار الزبائن حين يزورون المحل، لم تنتبه لذاك الذي وطـأ المكان في ميعاده المحدد مُسبقًا لرؤيتها وهي تقف على الكرسي الخشبي توليه ظهرها، وكأن تركيزها بالكامل منصب على ما تفعله..

خفقة موترة داعبت قلب "تميم" حين رأها بجسدها المشدود أمامه بمجرد دخوله وبحث عيناه عنها، أخفض نظراته في حرجٍ، وتنفس بعمقٍ ليثبط تلك المشاعر التي استيقظت فجــأة بداخله، وحدها من تفعل به ذلك رغم الجهد العنيف الذي يبذله لوأد تلك الأحاسيس التي أصبحت ملازمة له في حضورها، وكلما قاومها أصرت ألا تستسلم وتعاود الظهور كل مرةٍ بشكل يفوق المرة السابقة ليصبح أكثر انجذابًا إليها .. لعق شفتيه وازدرد ريقه في حلقه الجاف متسائلاً مع نفسه في تخبطٍ ملحوظٍ عليه:
-أناديها يا أبلة زي تملي ولا أقولها يا.. عروسة؟

التوى ثغره بابتسامة صغيرة متابعًا حديث نفسه بمرحٍ:
-وساعتها هتفتكرني بأعاكسها وتسود عيشتي، وأنا واخد كفايتي منها.
تأهب في وقفته وتحفزت حواسه حين هتفت فجأة دون أن تنظر إليه وذراعها ممتد للخلف:
-امسكي يا "علا".

اكتست تعابيره بعلامات التردد، تفقه ذهنه لكونها تعتقد أنه رفيقتها في العمل، وليس أحد العملاء، كان يخشى من ردة فعلها إن أدركت وجوده خلفه، ربما سيختل توازنها وتسقط عن المقعد إن صحح خطئها، أو ربما ستقذفه بشيء في وجهه لتشتيت انتباهها .. تدارك الموقف ولازم الصمت، ثم مد يده ليتناول منها العلبة دون أن ينطق بكلمة واحدة تعبر عن كينونته، بينما تابعت "فيروزة" من تلقاء نفسها:
-كده عاوزين نجيب صمغ لمسدس الشمع، خلص الموجود عندنا.

أطبق على شفتيه وهو يهز رأسه، كأنه يشاركها الحوار بلغة الصمت .. هبطت عن المقعد لتستدير كليًا نحوه، تفاجأت بوجوده على مسافة قريبة منها؛ يفصل بينهما طاولتها المستطيلة .. ضاقت عيناها في انزعاجٍ، وكزت على أسنانها مرددة:
-إنت؟
تنحنح مبعدًا نظراته عن وجهها المتشنج، وقال مرحبًا بأسلوب ودود:
-سلامو عليكم.

استندت ضاربة بكفيها بقوةٍ طفيفة على الطاولة لترد بوجومٍ:
-وعليكم السلام .. جاي ليه؟
تعجب من سؤالها الفظ وكأنه يتسول منها، غلف وجهه تعبيرات ضائقة، وعلق في استنكارٍ:
-أفندم؟ أنا جاي زي ما بلغتونا بالميعاد على فكرة.
زمت شفتيها قبل أن تصحح له، وقد لاحظت ضيقه:
-أقصد ما بعتش "هيثم" قريبك بدل ما تكلف نفسك وتيجي؟
تقدم نحوها ليقول بنبرة ذات دلالة واضحة:
-أنا خال النونو...

لكن تحول أسلوبه الجاد للمزاح وهو يتابع:
-والمثل بيقول جحا أولى بلحم توره.
أخفت ابتسامتها على طرفته، وأولتها ظهره لتقول بجديةٍ:
-أها .. تمام ..
انحنت "فيروزة" لتحمل العلب الكرتونية الضخمة التي وضعت بها ما تم طلبه من قبل واحدًا تلو الآخر لتسنده على الطاولة أمامها، وقالت:
-اتفضل، كل حاجة جاهزة.
ألقى نظرة فاحصة لما تضمنته العلب وهو يسألها:
-والحساب؟

أشــارت بيدها نحو المكتب الفارغ قبل أن تجيبه:
-مع "علا" الفاتورة بتاعتك.
التفت برأسه للجانب لينظر إلى حيث أشــارت، عاود التحديق في وجهها متسائلاً:
-وهي فين؟ أنا مش شايفها!
أجابته ببساطةٍ:
-هي في مشوار وجاية دلوقتي، تقدر تستناها عند مكتبها.

هز رأسه معقبًا عليها:
-ماشي، بس هاودي الحاجة العربية.
-أوكي.
اقتضبت في الحديث وهي تجلس على المقعد لتراقبه خلال ذهابه وعودته بعينين نافذتين حتى انتهى من وضع كافة الصناديق، ورغم يقينه من انزعاجها لوجوده إلا أنه كان مستمتعًا باللحظات المحدودة التي يقضيها بصحبتها، خاصة حينما تكون ساكنة، رائقة المزاج، وبدون من يقاطعه.

مـــر بعض الوقت ولم تعد "علا" بعد من الخارج، وظل كلاهما في المحل بمفردهما دون أن يدخل إليه أحد، وكأن العالم خلا إلا من وجودهما .. جلس "تميم" على المكتب قبالتها يتطلع إليها بنظرات حذرة محاولاً التمتع بتأمل ملامحها دون أن تمسك به، بضعة أسئلة شغلت تفكيره كلما أطال النظر إلى وجهها وشرد في تعبيراتها العابسة، ما زالت لمحة الحزن تغلف قسماتها، تشجع ليقول وهو يضغط على أصابع يده:
-هو أنا مضايقك في حاجة؟

اعتدلت "فيروزة" في جلستها خلف طاولتها، سلطت أنظارها عليه وسألته بجمودٍ وكامل عيناها عليه:
-تفتكر إيه؟
سحب شهيقًا عميقًا يضبط به تلك الزوبعة الدائرة فيه، واسترسل معبرًا عما يشعر به حين يلتقي بها:
-يعني .. حاسس إنك مش طيقاني، وأنا ما بحاولش أفرض نفسي عليكي.
ابتسمت في استخفافٍ من جملته تلك، وتنهدت تجيبه بلمحةٍ ساخرة:
-باختصــار لو فكرت فيها كويس هتلاقي إنك سبب كل مصيبة حصلتلي..

برقت عيناه مصدومًا من صراحتها غير القابلة للتزييف، نكس رأسه في أسفٍ، وسمع صوتها تقول له:
-أظن كده الإجابة وصلت؟
لم يستطع الرد عليها أو حتى التبرير، كانت محقة في اتهامه مباشرة بأنه المتورط الأساسي في كل ما حل على رأسها من أذى وخراب، شعر بغصة مؤلمة تجتاحه حين تابعت بنفس أسلوبها الجاف والقساوة تنطلق من عينيها:
-سوري عندي شغل، مش فاضية للكلام معاك، ده أكل عيشي.

أشــاح بوجهه كليًا عاجزًا عن رفع أنظاره نحوها، شعر بنغصة تضرب قلبه لتزيد من إحساسه بالذنب نحوها .. مشاعر أخرى ناقمة تنضم للكراهية والعدائية نحوه تحديدًا، لا أمل للتصالح أو النسيان، أكدت له نبرتها ذلك وإن لم تبوح بهذا علنًا.

في تلك الأثناء، صف "آســر" سيارته على الجانب المقابل لرصيف المحل لعدم وجود مكانٍ شاغر لركنها به، كانت السعادة تتراقص بين ضلوعه لذهابه إلى هناك، خاصة أنه رغب في رؤيتها بشدة، اختفى الحماس المليء باللهفة حين لمح "تميم" عبر الزجاج جالسًا بالداخل، تقلصت عضلات وجهه، واِربد بالضيق الواجم، ظلت عيناه المنزعجتان ترتكزان عليه خلال عبوره للطريق وهو يسأل نفسه:
-بيعمل إيه جوا البني آدم ده؟

تجاهل صوت البوق الصــادح الذي ينبهه للسيارة القادمة بسرعتها من على بعدٍ، حاول قائدها تفاديه لكن لمساحة الشارع الضيقة لم يتمكن من فعل ذلك، فما كان منه إلا أن صدمه ليتدحرج "آسـر" على الطريق وسط صرخات وصدمة الجميع ..
انتفض من جلسته "تميم" لينظر من الزجاج للحادث المروري الذي جرى على مقربة منه مرددًا:
-يا ساتر يا رب.

ومن تلقاء نفسها خرجت "فيروزة" لتتفقد الحادث، ذهول صادم حل بها حين أبصرت جسده مسجى على الأسفلت، تحركت شفتاها لتناديه بارتعابٍ طبيعي من هول المنظر:
-ده "آسر"، حصله إيه؟
نظر لها "تميم" بعينين مزعوجتين لترديدها اسمه، أحس بمشاعره الحانقة تطفو على السطح لتغطي أي مشاعر نادمة أو حزينة، تبعها متجهًا إليه وسط الحشد الذي تجمع حوله، تعالت الأصوات اللائمة فقال أحدهم:
-يا عم في بشر ماشيين على الأرض، مش حيوانات عشان تدوسونا.

احتج قائد السيارة المتهم ليدافع عن نفسه:
-وربنا هو اللي غلطان، أنا ضربتله كلاكس من أول الشارع وهو مصمم يعدي، ولا كأن في حد بيزمرله.
لكزه أحدهم في كتفه قبل أن يلومه:
-دوس فرامل يا جدع إنت.. وخلونا نشوف هو مين ولا آ...
جثت "فيروزة" على ركبتها قبالة "آسر" لتقول عاليًا:
-أنا عارفاه يا جماعة..
ثم انخفضت نظراتها نحوه لتسأله في قلقٍ:
-إنت كويس؟ حاسس بإيه؟

اندفعت حمية "تميم" الذكورية لتغزي عروقه في ضيقٍ سافر وهو يتابع المشهد الدائر، غالب ما ينتفض في كيانه وسلط نظره على "آسر" الذي صرخ متأوهًا بألمٍ وهو يتحسس ساقه:
-آه.. مش قادر.
سألته "فيروزة" بعينين تدوران على وجهه لتتفحص بنظراتها مدى خطورة إصابته:
-طب قادر تتحرك؟
هز رأسه بالنفي وصرخاته تعلو في الهواء، اقترح عليه المتسبب في الحادث بعد الاعتذار منه:
-يا أستاذ أنا والله ما أقصد، ولو تسمحلي أوديك أقرب مستشفى نطمن عليك، والتكاليف على حسابي.

ردت عليه "فيروزة" دون تفكير:
-أنا هاجي معاه، أنا أعرفه كويس.
هنا تدخل "تميم" ليقول وهو يدفع الرجل للخلف ليقف مكانه في الصدارة:
-لأ خلاص يا كابتن، الموضوع مش مستاهل، وأنا معايا عربية وهوديه.
واصل "آســر" صراخه الموجوع، واستنجد بها بعد أن قبض بيده على ذراعها ليتشبث أكثر بها وليضمن عدم تركها له:
-الحقيني يا آنسة "فيروزة"، أنا بموت ولا إيه؟

هزت رأسها ترد وهي تنتزع يده عنها:
-متقلقش، احنا كلنا جمبك..
ألقت نظرة غريبة على "تميم" الذي مرر ذراعيه أسفل جسد "آسر" ليرفعه عن الإسفلت، اعتدلت في وقفتها وأشــارت نحو الخلف متابعة حديثها بأنفاسٍ شبه مضطربة:
-أنا هاقفل المحل وأجي معاك، اطمن.. هاتبقى كويس يا أستاذ "آسر".

ضغط "تميم" بقبضتيه على ضلوع الأخير الذي يسنده، وكأنه يريد تفتيتها وهو يتابع مدى اللهفة والخوف في عينيها، شعورٌ خانقٌ للصدور تمكن منه، ولم يستطع كبحه أو إيقافه، بل تركه يسري في بدنه ولسان حاله يردد بغيظٍ:
-هي واخدة بالها أوي منه كده ليه
-آآآه.

صــرخ "آسر" متألمًا من ضغطاته العنيفة على أنحاء جسده الذي يئن بآلامها المستحدثة، ونظر له باشمئزازٍ من طرف عيه كما لو كان يوبخه، ولكن بلهجة آمرة:
-بالراحة، هو إنت معندكش دم، مش شايفني متبهدل إزاي؟
توحشت نظرات "تميم"، وكز على أسنانه ليرد بوقاحة:
-ابقى اتعلم تمشي إزاي في الشارع بدل ما تكوم كده، واللي زيي في الآخر بيشيلك.

ثم لف ذراعه حول كتفيه ليتمكن من السير به إلى سيارته، فتح له الباب الخلفي وأجلسه على المقعد ليمدد ساقه المتألمة في المساحة المتسعة، لم يكف "آسر" عن الصراخ والشكوى، أغلق "تميم" الباب ونظراته المزدرية نحوه لا تفارقه، استدار ليجد "فيروزة" مقبلة عليه فسد بجسده الباب الخلفي مقترحًا عليها:
-تعالي قدام هنا، مش معقول هتلزقي فيه، وإنتي شايفة حالته عاملة إزاي؟
شبت على قدميها محاولة النظر من خلف كتفه، وقالت في تفهمٍ:
-معاك حق.

بدا كمن أزيح عن صدره ذلك الثقل الجاثم بعدم اعتراضها على طلبه، ودمدم مع نفسه بارتياحٍ:
-كويس..
وفي لباقة غريبة منه فتح لها الباب الأمامي لتجلس على المقعد، استقرت فيه، وأغلقه ليدور حول مقدمة السيارة هامسا لنفسه في سرور بدد ضيقه المسيطر عليه قبل لحظاتٍ:
-أخيرًا عملت حاجة عدلة في حياتك يا برميل الرخامة.

-مالك مكلضمة كده ليه؟
سألت "بثينة" ابنتها بتلك الكلمات المهتمة وهي تتمعن في وجه ابنتها المكفهر بداخل غرفة نوم "تميم" في منزل أختها، وكأن السعادة قد فارقتها منذ أدهرٍ، وتركت فقط آثارها على ملامحها نفخت "خلود" في زفيرٍ ممل وطويل لتشرد أمامها بنظرات فارغة جوفاء، أدارت رأسها ناحية والدتها التي كانت تنتظر ردها، وقالت بيأسٍ:
-كنت مفكرة إن "تميم" هيبات معايا لما جينا هنا..

وضعت إصبعيها أسفل ذقنها، وردت تسألها في إنكارٍ:
-أومال بيبات فين؟!
أجابتها بإحباطٍ:
-يا في الوكالة يا في البيت ..
ثم زمت شفتيها لتتابع بتذمرٍ:
-وأنا اتهد حيلي هنا، طلبات عمال على البطال، وهو طول النهار برا أما خلاص هاشق هدومي من الغيظ.

ربتت على ظهرها في حنوٍ، وشدت من أزرها قائلة:
-معلش يا بت، بكرة تتعدل معاكي.
انتبهت كلتاهما للدقات الخافتة على الباب فتوقفتا عن الحديث، أطلت "ونيسة" برأسها وهي تسأل في فضولٍ:
-واخدين جمب كده ليه يا "بثينة" وقافلين عليكو الباب؟
أجابتها الأخيرة ببسمة مفتعلة مستخدمة يدها في الإشارة:
-مافيش ياختي، ده احنا عاملين بنرتب للسبوع، بنشوف هنعمل فيه إيه.

ردت عليها والحماس يملأوها:
-ماتشلوش هم، الحاج "بدير" هيعمل كل حاجة.
هزت "بثينة" رأسها في استحســانٍ، وأضافت:
-ربنا يبارك في عمره.
دنت "ونيسة" من ابنة أختها لتمسح على جانب وجهها الهادئ بحنوٍ، نظرت إليها بنظرات أموميةٍ قبل أن تدعو لها:
-وعقبال ما نفرح بعوض حبيبة قلبي.

انطلقت تنهيدات عاشمة من بين شفتيها وهي تغمغم برجاءٍ متزايد:
-يا رب يا خالتي، ادعيلي كتير.
قالت مبتسمة:
-بأدعيلك ربنا يديكي على أد نيتك
علقت "بثينة" في تهكمٍ:
-ما بلاش الدعوة دي، ادعيلها ربنا يفتحها في وشها.

كركرت "ونيسة" ضاحكة لترد بعدها بسجيتها الطيبة النابعة من فطرة لم تدنسها الضغائن:
-حاضر يا حبيبتي، هو أنا عندي أغلى من مرات ابني، دي بنتي التانية ...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W