قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل العاشر

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل العاشر

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل العاشر

من البديهي الاعتقاد بأن أسوأ الأفكار تهاجمها الآن، بعد اعترافه المفاجئ –والصريح- عن محاولة زوجها الأرعن لاغتياله، ليس لمرة واحدة، بل مرتين: قتلاً، وحرقًا، دون ندمٍ أو خوف، خلال تواجده بالدكان، ورغم أن هذا التصريح يتعارض مع إنكاره السابق، إلا أن مصلحة العائلة، تأتي دومًا –وأبدًا- في المقاوم الأول لديه. حملقت هاجر في وجه شقيقها بملامح باهتة مصدومة، سألته بصوتٍ متردد يعكس ذهولها؛ وكأنها تتأكد مما سمعته:.

- محرز عمل، فيك كده؟
كان رده واضحًا:
-أيوه يا هاجر؟
انقبض قلبها بقسوة، وشعرت به يتحطم بين ضلوعها، لم يكن ليطرأ في لمحة من خيالها أن يكون زوجها متورطا في فعل شنيع كهذا، لهثت تتساءل بانفعال، وعيناها تحجزان العبرات فيهما:
-طب ليه؟ ده إنت عمرك ما أذيته في حاجة؟ ليه كان عايز يضرنا فيك؟
نظر لها تميم مطولاً، قبل أن يُجيبها:
-إجابة السؤال ده عنده هو، مش عندي.
التفتت برأسها نحو والدها الذي استطرد يخبرها:.

-الحمدلله إن ربنا نجاه من شره...
هزت رأسها بإيماءةٍ راضية عن قضاء المولى، وهي تبحث في حقيبتها، عن منديل ورقي، تجفف به العبرات العالقة في أهدابها، بينما واصل أباها القول:
- هاجر يا بنتي، حضرت الظابط الموجود معانا هنا، عايز يسألك في شوية حاجات كده.
تجمدت عيناها على والدها، وتساءلت في جزعٍ:
-في إيه تاني؟
هنا أجاب ماهر موضحًا لها:
-في احتمال كبير إن جوزك متورط في قضية قتل.

انخلع قلبها مجددًا، ولمعت نظراتها بخوفٍ حقيقي، ثم دمدمت في ارتياعٍ:
-كمان؟ هو أنا متجوزة قتال قُتلة ولا إيه؟
أردف بدير قائلاً بهدوءٍ، ليخفف من حدة ارتعابها:
-اهدي يا بنتي، ومتخافيش، كلنا جمبك.
سألته بشكلٍ مباشر، لتبدد الحيرة التي انتابتها سابقًا، بشأن إصرار العائلة على الانتقال للإقامة معهم:
-عشان كده طلبت يابا مني أرجع أعيش معاكو، وأسيب بيتي؟
أجابها دون مراوغة:.

-مكدبش عليكي، خوفت الكلب ده يعمل فيكي حاجة، وإنتي لوحدك.
علقت عليه بنبرتها الحزينة المغلفة بالأسف؛ وكأن الغشاوة قد أزيلت عنها أخيرًا، فأصبحت ترى وجهه البشع:
-إذا كان فكر يقتل أخويا وهو عارف غلاوته عندي إزاي...
اختنق صوتها إلى حدٍ ما، عندما تابعت باقي جملتها:
-تفتكر كان ممكن يموتني؟ ولا حتى آ، يأذي ابنه؟!
رد عليها تميم تلك المرة، محاولاً تهوين الأمر عليها:
-محدش فينا كان عارف حقيقته يا هاجر.

عاد ماهر ليسألها مجددًا بلهجته الرسمية:
-مدام هاجر أنا محتاج حضرتك تهدي شوية، وتركزي معايا، عشان أقدر أسألك، جايز إجاباتك تساعدنا نمسكه.
أدارت رأسها في اتجاهه، وتساءلت في ترددٍ، وصوتها لا يزال تعيسًا:
-وأنا أقدر أساعد سعادتك إزاي؟ ده أنا خدت مقلب كبير في جوزي.
قال مشجعًا إياها على الوثوق به:
-ماتستقليش بنفسك، أنا متوقع إنك هتفيدينا جدًا.

أضاف بدير أيضًا ليحفزها على إظهار شجاعتها في البوح بالأسرار المخبأة، إن كانت توجد حقًا:
-اسمعي كلام البيه الظابط يا هاجر، وده لمصلحة ابنك قبل مصلحتك.
لم تملك ابنته سوى الإذعان له، لذا ردت باقتضابٍ:
-حاضر.
أشــار ماهر للضابط الآخر المتواجد بالخارج، لينضم إلى المتواجدين بالغرفة، وتابع يقول بنفس الأسلوب الجاد:.

-أنا معايا مقطع لفيديو تم التقاطه من كاميرا محل قريب، على اللاب توب ده، عايزك تركزي في الصورة، وتقوليلي هل ده جوزك ولا لأ؟
تحركت أنظارها مع الحاسوب المحمول الذي تم وضعه نصب عينيها، وردت بربكةٍ عظيمة:
-طيب.

بدا وكأن الحمل بأكمله أُلقي على كاهليها، وهي التي لم تفعل شيئًا هامًا في حياتها، سوى رعاية أسرتها، ركزت حواسها مع ما يتم بثه أمامها، خطفت أنفاسها عندما تراءى له بهيئتها، فهتفت قاطعة الصمت الوهمي:
-هو محرز.
سألها ماهر بعينان تلمعان في اهتمامٍ:
-إنتي متأكدة؟
استرسلت في تفسيرها المزيل لما هو غامض، فخاطبته قائلة:.

-أيوه، اللبس ده أنا عارفاه، عشان يومها رجع البيت متأخر، ولما سألته عن السبب قالي إنه كان مشغول مع واحد صاحبه عامل عقيقة لابنه.
انتبه لها ماهر، وتساءل بنبرته المحققة:
-لاحظتي حاجة غريبة عليه اليوم ده؟
ترددت قبل أن تجيبه، وهي تعتصر ذهنها اعتصارًا لتتذكر تفاصيل هذا اليوم:
-مش فاكرة أوي، بس هدومه مكانتش نضيفة، كان عليها بقع دم، ولما سألته عنها، قالي إنه كان واقف بيدبح معاه.

تحفز في جلسته، ولاحقها بسؤاله التالي:
-الهدوم دي لسه موجودة يا مدام؟
أجابت نافية:
-لأ، أنا دورت عليهم في سبت الغسيل، عشان أغسلهم، ملاقتهومش موجودين.
علق عليها ماهر بضيق ارتسم على تعابيره:
-طبعًا محتاج يخفي معالم جريمته.
اتسعت عيناها في خوفٍ متزايدٍ، وهي تتساءل:
-جريمة إيه تاني؟
تنحنح قبل أن يجيبها:
-في اليوم ده يا مدام هاجر، جوزك استدرج صاحبه، وقتله في بيته...

شهقة مرعوبة خرجت من جوفها، كتمتها في منتصفها، بوضع يدها على فمها، بينما أكمل ماهر حديثه بقوله الجاد:
-مش زي ما فهمك، إنه كان في عقيقة ابن واحد معرفته.
لطمت على صدرها مرددة في دهشة مليئة بالخوف والاستنكار:
-يا نصيبتي.

حقائق مستجدة اكتشفها بدير أيضًا، جعلته يشعر بالحزن الشديد، لثقته العمياء والمطلقة، في شخصٍ، ظن أنه الاختيار المناسب، لمنحه ابنته. نكس رأسه في خزيٍ، وغمغم بصوتٍ عبر عن إحساسه بالخذلان:
-إزاي أنا أمنت عليه لبنتي؟
رد عليه تميم محاولاً منعه من تحميل نفسه الذنب دون داعٍ:
-متلومش نفسك يابا، كلنا اتخدعنا فيه.
نظر في اتجاهه، وقال بنفس النبرة الواجمة:
-عيب على الشيبة دي كلها لما يضحك عليها.

لم يجد تميم ما ينطق به، للتعليق على والده المنزعج، فاكتفى بالصمت، وتابع ما يقوم به الضابط ماهر بنظراتٍ متحفزة، أملاً في نفسه أن تتخطى شقيقته بأقل الخسائر الممكنة، تبعات تلك العقبة المشينة التي لازمتها لسنواتٍ في حياتها، والمسماة بزوجها.
.

بدا مؤلمًا للغاية، أن ترى شقيقها الوحيد، الذي كان مفعمًا بالحياة والنشاط، راقدًا هكذا على الفراش، كجسدٍ بالٍ، يكافح لتحريك أطرافه دون مساعدةٍ خارجية. لم تستطع ضبط دموعها، مع رؤيتها لحالته المؤسفة، ناهيك عن حزنها العميق لخسارة أبنائه، تزايد الألم بصدرها، ووجدت صعوبة في السيطرة على حالها. فشلت آمنة في التماسك أمام سريره، ونطقت بنحيبٍ، وهي تربت على كتفه:.

-ألف سلامة عليك يا أخويا، شيد حيلك، إن شاءالله تقوم تقف على رجليك من تاني.
ناضل خليل للاستدارة نحوها، وهتف يرجوها بتلعثمٍ جلي، وتلك النظرة المستجدية تحتل عينيه:
- آ، مــ، نة بـ، نتـ، ي.
ردت عليه بصوتها الدافئ، وعبرتها طفرت من مقلتيها:
-اطمن ياخويا، أنا هنا معاك.
كرر مرة أخرى اسم ابنته، وعيناه تحبسان دموعًا عاجزة:
- رقـ، يــ، ة!
مسحت بمنديلها الورقي دمعه المتساقط على صدغه، وهي تؤكد عليه:.

-حاضر، متقلقش.
لم تغالب دموعها، وألقت عليه نظرة أخيرة، حاولت بها طمأنته؛ لكن ملامحه غير المرتخية أكدت أنه يعاني عذابًا لا يشعر به غيره، تركته يستريح في غرفته، واتجهت إلى الخارج، وصوت نهنهاتها الحزينة يسبقها، ما إن رأتها همسة حتى أسرعت نحوها لتسندها، أسندتها من ذراعها، وسحبتها نحو أقرب مقعد لتجلسها عليه. ازدادت نوبة بكاء آمنة، وشرعت تشكو عجزها عن مساعدة شقيقها:.

-قلبي متقطع عليه، مش عارفة أعمل إيه، حاسة إني متكتفة، والمصيبة كبيرة أوي عليا.
قاومت ابنتها رغبة مُلحة في مشاركتها البكاء، وردت عليها بصوتها المختنق:
-ربنا يهون عليه وعلينا.
لحظات بطيئة، من الصمت المعبق بالمشاعر الحزينة، استحوذت على الأجواء بينهما، إلى أن تكلمت همسة قائلة، لتُعلمها:
-أنا اتصلت بعمي اسماعيل عشان أعرفه باللي حصل.
غمغمت في استحسان:
-كويس، يجوا يقفوا معانا، بدل ما احنا ولايا لوحدنا.

استاءت من إنكارها لمجهودات زوجها، الذي تفرغ من مهامه، ليكون ملازمًا لكلتيهما، وعاتبتها بلطفٍ:
-و هيثم راح فين يا ماما؟ ده ماسبناش للحظة.
تداركت خطئها غير المقصود، فقالت:
-أيوه فعلاً، كتر خيره والله، وربنا ما يضره في عزيز.
أمنت على دعائها قائلة بهزة بسيطة من رأسها:
-يا رب.
.

قبل أن ينتهي الضابط من تسجيل الأقوال في المحضر الرسمي، انسحب بدير بهدوءٍ، ليتحدث بعيدًا عن الضوضاء الموجودة بغرفة ابنه في هاتفه المحمول الذي رن في جيب جلبابه، ليعود بعد برهةٍ، مستقرًا في مقعده، لم تتركه نظرات تميم طوال فترة غيابه، كان يترقب عودته، ثم مال عليه، وسأله بصوته الخفيض:
-في حاجة حصلت يابا؟
جاوبه بنبرة أقرب للهمس:
-ده هيثم اتصل، كان بيعرفنا بالجديد عند خال مراته.

انعقد حاجباه، وتساءل باستغرابٍ ظاهر عليه:
-ليه؟ ماله؟
ما زال صوت والده محتفظًا بخفوته، عندما أخبره:
-بعيد عنك وعن السامعين عياله كلهم، ماتوا.
سأله على الفور بنبرة ملتاعة:
-يا ساتر يا رب، حادثة ولا إيه؟
كان رده غير مريح حينما قال:
-محدش لسه عارف التفاصيل، لما يجي هيثم هنفهم منه، لأنه موجود معاهم.
همس تميم بصوتٍ آسف لا يخلو من الحزن:
-واجب يا حاج، ماينفعش يسيبهم للحظة، ولو ناقصهم حاجة آ...

قاطعه والده مؤكدًا، بنبرة جادة للغاية:
-من غير ما توصيني، أنا بس أطمن عليك، وأوصل أختك البيت، وهاروح أطل على الجماعة وابقى معاهم.
شكره بزفيرٍ ثقيل:
-تعيش يابا.

للحظة خاطفة تخيل وسط ما يقاسيه، طيف فيروزة يزوره في عقله، بملامح وجهٍ حزينة، وعينان تتماشيان مع اسمها؛ لكن الفارق أنهما تسبحان في عبراتٍ مقهورة، جعلته يشعر بانقباضةٍ غير عادية تسري في فؤاده، وضع يده على صدره، دلكه بحركة دائرية متكررة، وهمس راجيًا بصوتٍ بالكاد تحرر من بين شفتيه، ونظراته تحدق في الفراغ:
-ربنا يسترها عليكي.
.

غرزت الممرضة إبرة أخرى، في المحلول المعلق على الحامل، والتفتت ناظرة إلى المريضة المستلقية على الفراش، تنازع نوبة صراخٍ جارحة لأحبالها الصوتية، بعد أن استفاقت من غيبوبتها الإجبارية. وجدت حولها أقاربها، يواسونها في مُصابها؛ لكن بقيت عيناها على الوحيد الذي اتخذ مكانه بالخلف، لتناديه بالاسمِ، موجهة حديثه له بشكلٍ شخصي:
-خسرت ولادي يا حاج اسماعيل.

انتصب كتفا الأخير، ونظر لها بإشفاقٍ، فأكملت عويلها بنبرتها الناقمة:
-في فقر أكتر من كده؟
ردت عليها سعاد، وقد غص صدرها بالبكاء الشديد، تأثرًا بالفاجعة غير المحتملة:
-ارضي بقضاء الله ياختي.
في حين دعت هاا سها بحزنٍ غير زائف:
-ربنا يصبرك على فراقهم، بس بلاش كده، إنتي بتعذبيهم؟
اعترضت بصراخٍ حاد:
-يعني ماندبش ولادي التلاتة؟ ده مش واحد ولا اتنين، دول كلهم راحوا في غمضة عين!

استنكر اسماعيل ما تفعله، ومع هذا قال بنوعٍ من التعاطف:
-ربنا يرحمهم برحمته الواسعة، هما عند اللي أحسن مننا كلنا، مايعزوش عليه.
بينما أضافت زوجته وسط بكائها:
-احنا جمبك كلنا يا حمدية، مش هانسيبك.
هتفت وهي تلطم على وجنتيها بقسوةٍ:
-بقيت لوحدي خلاص، لا عيل يشيل عني، ويسندني، ولا راجل ياخد بإيدي، أنا اتقطعت من الدنيا.
أمسكت سعاد بكفيها لتوقف ما تفعله، وتوسلتها في رجاءٍ كبير:.

-بالله عليكي ما تعملي كده في نفسك، احنا كلنا أهلك، ومعاكي يا غالية.
تنهد اسماعيل مطولاً، ثم أضاف برثاءٍ:
-ربنا يصبرك على ما بلاكي.
نظرت في عينيه، وقالت بنبرةٍ مليئة بالشجن:
-هايجي منين الصبر وعيالي راحوا مني يا حاج؟

رفع عكازه عن الأرضية، وضربه بها في حركة سريعة متوترة، غير راضية عن سخطها الواضح، فأيًا كان حجم الابتلاء، يكن التعويض الإلهي على مقدار الصبر، التفت برأسه نحو ابنه فضل الذي لم يكن مستمتعًا بما يراه من بؤس، وعويل، مال على والده طالبًا منه:
-ما بينا احنا من هنا يابا لأحسن أنا مش ناقص نكد حريم، ومرار طافح، كفاية اللي بنشوفه كل يوم.
عنفه بصوتٍ خفيض، وعيناه ترسلان تحذيرًا شديد اللهجة له:.

-خلي عندك دم يا فضل، مش نسايبنا دول، والولية قلبها مفطور على عيالها..
قاطعه ببرودٍ مستفز:
-اللي راح راح، هنعملها إيه يعني؟ أجلهم كده.
واصل توبيخه مدمدمًا بهسيسٍ مغتاظ من تصرفاته غير المسئولة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو إنت مافيش في قلبك شوية رحمة؟
علق عليه بنفس السماجة:
-كان في وخلصوا، أنا هاطلع أشرب سوجارة برا.
حضوره لم يكن مرغوبًا، لذا عقب عليه والده، كما لو كان يطرده حقًا:
-يكون أحسن.

وبخطواته البطيئة، تحرك فضل خارج الغرفة، متجهًا للردهة الطويلة، وأمام لافتة عدم السماح بالتدخين، أخرج علبة سجائره، التقط واحدة منها، ثم حشرها بين شفتيه، وفتش براحة يده عن ولاعته، حينما وجدها أشعل عقبها، وتنفس دخانها ببطءٍ، غير عابئ بالنظرات المستنكرة لتصرفه الطائش. لمح خلال وقفته المستريحة همسة وهي تسير في اتجاه ردهة الانتظار، ألقى ببقايا سيجارته، داعسًا على طرفها، ثم أسرع في خطواته ناحيتها متسائلاً:.

-عاملة إيه يا بنت عمي؟
تفاجأت من حضوره، وردت بعبوسٍ، دون أن تتوقف عن المشي:
-الحمدلله.
سألها بابتسامة تبعث على الغيظ:
-أومال فين الأفندي بتاعك؟
توقفت في سيرها، لتستدير في وجهه، ورمقته بنظرة حادة، قبل أن توضح له عن قصدٍ:
-قصدك هيثم جوزي؟
كان رده مستفزًا لأبعد الحدود عندما حرك فكه ليرد:
-أيوه، أصلي مش فاكر اسمه الصراحة.
كظمت غضبها من أسلوبه الوقح، وتعاملت برسمية معه، فقالت:.

-هو مش فاضي للهيافات، بيخلص إجراءات الدفن، لو عايز تروح معاه فــ...
هتف مقاطعًا بعدم اكتراثٍ:
-لأ ماليش في الحاجات دي، خليه هو يسلك فيها بمعرفته.
علقت عليه بنظراتٍ احتقارية:
-على الأقل أحسن من ناس تانية...
استشاطت نظراته، فأكملت ساخرة منه:
-دايمًا خدوم يا، فضل..
همَّت بالتحرك، لولا أن استوقفها متسائلاً بفضولٍ:
-أومال أختك عرفت ولا لسه؟
جاوبته بنظرة من طرف عينها:
-لأ مقولنلهاش لسه.

تصلبت بحنقٍ مع تلميحه الوقح:
-زمانها غرقانة في العسل.
التفتت تحدجه بنظرةٍ محذرة، وهي تقول:
-الله أعلم بظروفها.
سألها بتطفلٍ أكبر:
-ومبسوطة على كده مع البأف بتاعها؟
زجرته بحدةٍ لم تستطع كبتها:
-هو إنت شايف إن ده وقته يا فضل؟
بنفس الطريقة اللزجة عقب عليها:
-إيه بأطمن عليها؟ هو السؤال حُرم؟ ده أنا ابن عمها.
نظرت له بازدراءٍ، قبل أن تنهي حواره السخيف معها:.

-هاروح أشوف أمي، بدل الوقفة اللي مالهاش لازمة دي.
لو كان واحدًا غيره لشعر بالحرج لتلك المعاملة؛ لكنه كان على النقيض، باردًا، مستفزًا لأقصى الحدود، لوح لها بذراعه هاتفًا:
-روحيلها...
رافقها بنظراته التي لم تترك تفاصيل جسدها الأنثوي دون مسحة متأنية، لاحت ابتسامة غريبة على جانب شفتيه، وهو يخبر نفسه بصوتٍ شبه خافت:
-بس شكلك ألوظتي يا بت...
انتفض كالمفزوع، حينما سألته سها بغتةً، وقد جاءت من خلفه:.

-إنت بتكلم نفسك يا فضل؟
نظر لها بتأففٍ، وقال في جفاءٍ:
-أه، مجنون بقى، عندك مانع؟
ردت عليه وهي تزدري ريقها:
-لأ، بس أبويا الحاج عايزك جوا.
أخبرها بلهجته الفظة، مشيرًا لها بعينيه لتنصرف:
-هاجيله لما أطفح السوجارة.
هزت رأسها قائلة:
-طيب
شيعها بنظراته النافرة، مُحدثًا نفسه:
-أنا عارف حظي وحش كده مع الحريم.
.

ناولت والدتها كوبًا من الماء، لتبلل به جوفها الجاف المليء بالعلقم المرير، ثم جلست في المساحة الخالية إلى جوارها، نظرت إليها آمنة بعينين ما زالت تعاني من آثار البكاء، وتساءلت بقلبِ لم يتعافَ بعد من أحزانه الثقيلة:
-معرفتيش توصلي لأختك؟
على مهلٍ تنهدت همسة تخبرها نافية:
-لأ يا ماما، موبايلها مقفول، وحسابها على الفيس بوك مش متفعل برضوه.
بلغ الخوف أقصاه في نفسها، وتساءلتٍ بخوفٍ بائن في نبرتها:.

-يا ترى حصلها إيه؟ استرها عليها يا رب.
بعد استغراقٍ في التفكير، حادثتها ابنتها بنبرة عازمة:
-أنا هاكلم علا اسألها عليها، جايز تكون عارفة حاجة عنها، هي صاحبتها الأنتيم.
تجدد بريق الأمل المفقود مرة أخرى، وقالت تشجعها على اقتراحها هذا:
-يا ريت يا همسة، ربنا يسمعنا عنها كل خير.

أمسكت بهاتفها المحمول، ونهضت من مكانها لتقف منزوية في الجانب، بحثت عن رقم علا في قائمة الاتصــال لديها، حمدت الله أنها ما زالت محتفظة به، فتوأمتها كانت تلجأ لاستخدام هاتفها، حينما ينفذ رصيدها، تحدثت إليها بحرجٍ، وحاولت أن تستعلم منها عنها، بطريقةٍ بدت متحفظة حتى لا تثير ريبتها، بعد أن سألت عن أحوالها، وبكلماتٍ مقتضبة أنهت المكالمة، لتعود إلى والدتها، تساءلت الأخيرة في لوعةٍ:
-عرفتي منها حاجة؟

هزت رأسها نافية بأسفٍ:
-لأ ياماما، بتقولي متعرفش عنها حاجة من يوم ما سافرت مع جوزها.
كسا الحزن تعابيرها المجهدة، ونطقت مقاومة بكائها:
-يعني زينا.
ضغطت على شفتيها قليلاً، قبل أن يكون ردها موجزًا:
-أيوه.
رفعت آمنة عينيها إلى السماء، ودعت برجاءٍ:
-دي حاجة تقلق، اجعل المخبي لطيف يا رب، متوجعنيش على عيالي يا كريم.
حاولت همسة أن تخفف من توجس والدتها الطاغي على قسماتها، فبررت اختفاء توأمتها:.

-يا رب، جايز يا ماما يكون موبايلها باظ منها، والأرقام اتمسحت من عليه.
بقلبٍ يعاني من ويلات كثيرة، تمتمت أمها:
-الله أعلم، بس أنا مش مرتاحة.
بثت همسة الأمل في نفس والدتها بقولها المتفائل؛ رغم افتقارها لهذا الشعور حاليًا:
-إن شاءالله هتكلمنا قريب، أنا واثقة من ده، فيروزة مش هاتسيبنا كده من غير ما نعرف حاجة عنها.
.

مضى يومان، خلالهما ازدادت المواقف تأزمًا، بعد اكتشاف السر الذي بقي محفوظًا لما يزيد عن الخمس سنوات؛ لكن لا مناص من التعامل مع الأمر الواقع، وأصبح لِازمًا على الجميع التصرف وفق المُتبع والمفروض. اصطحبت همسة الطفلة رقية بعد السماح لها بالخروج من المشفى، إلى منزل والدتها، حيث من المفترض أن تمكث هناك، ريثما يتعافى والدها، بناءً على توصيته المتوسلة. ترجلت من سيارة الأجرة، ومعها زوجها، شخصت أبصارها، مع رؤيتها لشيءٍ لم تظن أنه سيتم هنا، فقد تفاجأت بإقامة سرادق كبير في المساحة الخالية بجوار المنزل، لتلقي العزاء في إِخوة لم تعلم الطفلة عنهم شيئًا سوى بعد رحيلهم، لن تفتقدهم، ولن يفتقدوها، فكما كانت سرابًا في حياتهم، كانوا بالمثل معها.

تشبثت بكف الصغيرة، وتساءلت بصوتٍ عكس قلقًا لا تشكيك فيه:
-هنعمل إيه يا هيثم؟
نظر بحيرة للسرادق، وقال بنفس التردد:
-مش عارف.

توقعت أن يتواجد بداخل السرادق الأقارب، والجيران، وكل من له صلة بالعائلة، وبحسبةٍ صغيرة أدركت أن عواقب رؤية الطفلة لن تكون محمودة، خاصة مع حالة الجنون المسيطرة على زوجة خالها الأولى حمدية. وقبل أن يصل أحدهما لحلٍ لا يسبب المشاكل، لمحت حمدية ثلاثتهم، بسبب تواجدها غير المتوقع في مقدمة جانب النساء، حاولت تخبئة رقية خلفها، لتنأى بها عن نظراتها، متوهمة أنها ستنجح في الصعود بها سرًا إلى المنزل؛ لكن سبق السيف العزل، وأصبح الاختفاء عن نظراتها الملتهبة أمرًا مستحيلاً.

أبصرت حمدية ابنة ضرتها الناجية، بعينين تقدحان بشررٍ متطاير، امتلأ صدرها بغضبها المختلط بمشاعر الكراهية الشديدة، في ثوانٍ انتفض بركان حنقها عليها، لافظًا كل حممه المتأججة، تلك اللعينة عاشت، وهلك فلذات أكبادها! كالمجذوبة الفاقدة لعقلانيتها، انطلقت دافعة مقعدها الخشبي في عصبيةٍ للخلف، لينكفئ على ظهره، هرولت في اتجاههم، وصوت صراخها المهتاج يجلجل عاليًا، جاذبًا كل الأنظار الشاردة عليهم؛ كما لو تم القبض عليهم بالجُرم المشهود:.

-دي جاية هنا ليه...؟!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W