قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل السابع والعشرون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل السابع والعشرون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل السابع والعشرون

برعونته الطائشة، وتصرفاته غير المدروسة، نجح في استدعاء الوحش الكامن الذي يرقد بداخله، ليصبح شديد الخطورة في ملامحه، ونظراته، وحتى تلميحاته العدائية. لم يعد هناك حدًا للعنف، طبيعته الشرسة طغت على أي مظهر وديع كان يملكه قبل برهةٍ. قبض تميم على قدم غريمه، ورفعها للأعلى، ليلوي كاحله بقساوة دفعت فضل للصراخ المستغيث والبكاء في ألمٍ وهو يرجوه:
-بالله عليك تسيبني، أنا معملتش حاجة.

قال بتوعدٍ بعد أن ترك قدمه:
-هو أنا بدأت لسه؟

صراخه المتعاقب جعل مالك دكان الفاكهة المتواجدين بداخله -والذي يدعى فهيم - يدخل في الحال لرؤية ما يحدث. وقعت عيناه على فضل، فهتف مستجديًا مشاعر تميم، عله يرفق به، دون أن يفهم بالضبط أبعاد مشكلته معه:
-خلاص يا معلم، اعتبره عيل وغلط.
إشارة صارمة من عيني تميم منحها ل ناجي جعلت الأخير يتحرك صوب فهيم ليحاوطه من كتفه، سحبه بعيدًا عنهم وهو يقول:
-تعالى معايا يا حاج...
وأخفض نبرته قائلاً بجديةٍ:.

-وسيب الرجالة يتفهموا مع بعض على طريقتهم.
اعترض بترددٍ قلق:
-بس كده آ..
قاطعه بحزمٍ ليطمئنه:
-متقلقش من حاجة، إنت في السليم.
أتاه صوت تميم عاليًا ليُعلمه:
-حاج فهيم، احنا محتاجين التلاجة الكبيرة شوية.
استدار برأسه ناحيته، وقال وهو يبلع ريقه:
-المكان مكانك يا معلم تميم.
رد يشكره بنصف ابتسامةٍ، وكامل نظراته على فضل:
-تعيش يا حاج، مردودالك في أي خدمة.

كان غرضه من اختيار ذلك المكان البارد، عدم لفت الانتباه للضجيج الذي سيحدث لاحقًا. هلل فضل مستغيثًا حتى بح صوته:
-الحقوني، هيموتوني، غتووووني يا ناس.
علق عليه تميم يتحداه بابتسامة هازئة احتلت زاوية فمه، ونظراته القاتمة مسلطة عليه:
-عايزك تصوت على أد ما تقدر...
بدا صوته كالهسيس وهو يكمل:
-عشان محدش هيغيتك الليلادي.
تسول رحمته بنحيبه:.

-طب شوف إنت عايز إيه وأنا هاعمله، حقك عليا، لو عايزني أبوس راسك قصاد الناس دي، فأنا مش ممانع، خليني بس أقف على حيلي...
ثم نشج ببكاءٍ مسموع وهو يواصل:
-ده أنا عندي عيال غلابة، وولية مكسورة الجناح، يرضيك يتحسروا عليا؟
هتف غير مكترثٍ بخشونةٍ مرعبة:
-أه يرضيني.

بلع ريقه وقد جحظت عيناه أكثر متخيلاً ما يمكن أن يفعله به، في حين خلع تميم قميصه البني -والمقسم في نقشته المطبوعة عليه إلى مربعات صغيرة متفاوتة في درجاتها- ليظل بثيابه السوداء التحتية التي أبرزت عضلاته المفتولة، ثم انتزع حزامه الجلدي من بنطاله الجينز الأسود، ونظرات فضل المذعورة تراقب بشخوصٍ كل حركة تصدر عنه، متوقعًا حدوث الأسوأ بين لحظةٍ وأخرى، انحنى عليه مجددًا ليمسك بقدمه الملتوية، وأحكم ربط حزامه الجلدي حولها، فصاح فضل يسأله وهو يحاول التملص منه:.

-إنت بتعمل إيه؟
تجاهله ليأمر حمص و شيكاغو:
-فضوا السكة.

تقدم الاثنان في خطواتهما سريعًا لإزاحة أي عائق عن الطريق، وأيضًا لتهيئة المكان بداخل ثلاجة حفظ الفاكهة المخزنة لتستوعب وجودهم فيها، بينما شرع تميم في جذب خصمه من قدميه بقوةٍ، ليتدحرج فضل أرضًا على ظهره، قبل أن يتم سحله وصولاً إلى هناك، وأنين صراخه المستغيث يزداد حدةً وخوفًا.

بعد بضعة دقائق، كان فضل مستلقيًا على ظهره بداخل الثلاجة، ووُضع فوق عنقه مقعدًا، لينحر طرفه الخشبي الخشن في جلد رقبته. جلس تميم عليه، مُلقيًا عليه نظرة ازدراءٍ من مسافته العالية، ويده تتدلى بمطواته التي تدور بين أصابعه في خفةٍ. تأمله باحتقارٍ قبل أن يستطرد قائلاً في صيغة سؤالٍ، كنوعٍ من التخيير:
-تفتكر أبدأ معاك بإيه؟
أجهش فضل بالبكاء وهو يحاول استرقاق قلبه:
-ولا حاجة، ده أنا غلبان.

كركر ضاحكًا لسخافته، فأكمل الأخير بنواحه، نافيًا عن نفسه أي تهمة:
-وربنا ما عملتلها حاجة، ولا جيت جمبها من ساعة ما كنت عندها.
لم تنطلِ حيلة بكائه كثيرًا، فدموع التماسيح نضبت بعد لحظةٍ، وبدا صوته عاديًا عندما سأله وهو يرمش بعينيه:
-هي قالتلك حاجة؟
وقبل أن يجاوبه تابع بصوته المرتجف:
-وبعدين ده أنا ابن عمها، من لحمها ودمها، وخايف عليها، يعني مايرضنيش حد يقول عنها كلمة.

نقل تميم مطواته لليد الأخرى، ومررها بين أصابعه بنفس الحركة الاحترافية، تأكد من متابعة نظرات فضل له، ثم توقف فجأة عن تحريكها، وخاطبه بصوتٍ أجوف عميق:
-وماله تخاف عليها بالأصول، مش بالندالة!
رد بنبرته المرتعشة:
-أه، طبعًا..

ثم نهض عن المقعد، وركله بقدمه، ليصبح عنقه طليقًا، ظن لهنيهة أنه سيحرره؛ لكنه باغته بالانقضاض عليه وجذبه من ياقته ليجبره على النهوض، فذعر بشدةٍ، ووضع قبضتيه المرتجفتين على ساعديه يستعطفه:
-إنت قلبك كبير يا معلم، بلاش تروح في داهية، الموضوع مش مستاهل.
لسانه الأهوج كان الأسبق في إضافة جملةٍ كدرت الأجواء الغائمة:
-ده الحريم ياما بيقولوا، هنعمل عقلنا بيهم، دول ناقصين عقل ودين..
لعق شفتاه واختتم حديثه:.

-ده مش كلامي، ده كلام ربنا.
نطق في تهكمٍ سافر:
-وإنت ماشاء الله عليك بتعرف في الدين.
ودون أن تحيد نظراته عنه، وجه أوامره لرجليه الواقفين خلفه:
-ثبتوه على الحيطة!
هتف شيكاغو أولاً مبديًا طاعته له:
-حاضر يا معلم.
في حين تقدم حمص لتنفيذ أمره في صمتٍ، وعلامات الشر تبدو جلية على قسماته.
صرخ فضل بأقصى ما يستطيع، وهو يبذل كامل طاقاته للخلاص من الحصار المطبق عليه:
-هيقتلوني يا ناس.

لم يحتاج كلاهما لجهدٍ زائد لإلصاق وجهه بالجدار البارد وتثبيته، ضغط شيكاغو على رأسه، ليسحقه في بروز الجليد المتكون على سطحه، فتتسبب حوافه الحادة في تمزيق جلده، وقام حمص بتكبيل يديه ليضعف من مقاومته، وحشر قطعة من قماش الأجولة في جوفه، ليكتم صوت صرخاته. ظل تميم واقفًا على بُعد بضعة خطوات، وهتف كتمهيد استباقي لما سيحدث لاحقًا:.

-لما الوارد الجديد بيشرف عندنا في أبو زعبل بيتعملهم حفلة استقبال، تشريفة تليق بيهم..

فتش بين الأغراض المحاوطة به عن شيء غليظ، وواصل مخاطبته:
-بعدها بنلاقي واحد ولا اتنين كده متنططين، عايزين يعملوا نمرة، ياكلوا بيها الجو، بس مشكلتهم بيعملوها مع الناس الغلط..

تأوه فضل من الألم المستبد بجسده، وبكى في خوفٍ أكبر، بينما تابع تميم حديثه له بلهجةٍ عبرت عن بواطن شرورٍ عظيمة، لا يحبذ اختبارها على البشر:
-ساعتها بقى بيتعمل معاه السليمة، ويتعرف إن كان راجل وأد كلمته، ولا واحد متنسوِن، يقلب على مَرَة لما يخش في الغويط.

دفع فضل بلسانه القطعة المحشورة في جوفه، عله ينجح في إسقاطه ومواصلة الصراخ. تقدم تميم بخطاه المتأنية، وعيناه تبرقان بشيءٍ خطير، كما اشتدت نبرته قساوةٍ عندما نطق:
-وأنا حذرتك..
موجة الغضب التي اجتاحته لم يعد بإمكانه إيقافها، لذا أوضح له باقي تهديده:
-عشان المرادي هاعمل معاك الجُلاشة، مش هاخليك تعرف ترفع عينك لا في راجل ولا حُرمة.
سقطت الخرقة من فم فضل، فصاح على الفور طالبًا النجدة:
-غتوووني يا ناس.

توقف تميم على مسافة خطوة منه، ومال عليه ليبدو صوت تهديده في أذنه حينما أخبره، وبين شفتيه ابتسامة انتصار:
-إدي بالك عشان جيالك، وبالجامد أوي.

أمام النافذة الأرضية، أطلت برأسها تراقب المارة عن كثب، فموعد عودته قد تأخر كثيرا، فعلى الأغلب كان يعود إلى المنزل مبكرا، تاركا غيره يكمل ما تقاعص عن أدائه. تنهدت سعاد بصوتٍ مسموع، وتحركت لتجلس على المصطبة بجوار زوجها، ثم أخبرته وهي تفرك كفيها معًا:
-لأ، أنا كده اتوغوشت بزيادة، مش بعوايده فضل يتأخر كده.
أردف قائلاً وهو يدير حبات مسبحته بإبهامه:
-الغايب حجته معاه.

وضعت هاتفها المحمول على أذنها بعد أن هاتفته، وقالت في قلقٍ أكبر:
-باتصل عليه تليفونه مقفول.
افترض اسماعيل مرددًا بعد برهةٍ من الصمت:
-جايز يكون راح عند أهل مراته يصالحها، ماهو كان غبي معاها آخر مرة.
غمغمت بتبرمٍ وهي تخبط يدها الطليقة على فخذها:
-بردك يقول، ولا يتصل يعرفنا، مايسبناش كده في حيرة وقلق.
علق عليها بامتعاضٍ:
-إنتي عارفة ابنك ماشي بدماغه، محدش بيقدر يحوشه لما يحب يعمل حاجة.

التفتت للجانب لترمقه بنظرة ساخطة، ولامته بشكلٍ صريح ومباشر وهي تلوح بيدها:
-متزعلش مني يا حاج، إنت اللي عودته على كده، لو كنت بتقفله من الأول كان اتلم، بس هو ساق فيها، وأديك شوفت عمل إيه مع الغلبانة سها.
نظر لها من طرف عينه، ونطق بعد زفيرٍ طويل:
-ربنا يستر المرادي، لأحسن مش مرتاح، وخايف أبوها ياخد موقف.
بنفس الأسلوب المتنمر استطردت معقبة:.

-هايكون معاه حق لو عمل كده، كل مرة ترجعله بنته متبهدلة ومضروبة، وده مايرضيش ربنا.
واصل اسماعيل تقليب حبات المسبحة بحركة ثابتة، ولسانه يلهج داعيًا:
-ربنا يعديها على خير.

حينما يتحير في أمر ما، يلجأ إليه، فيجلس بأريحية عند قدميه، ويبوح له بكل ما يختلج صدره، ليمنحه الجواب الحاسم، بخلاصة خبرته الحياتية الطويلة. لذا لم يتردد بدير في إطلاع والده على ما أخبره به سراج في دكانه، وكيف تعامل مع الموقف المفاجئ، اختتم سرده المستفيض قائلاً:
-أنا قولتله إن هاجر ماستوفتش عدتها لسه، ومايكلمنيش في حاجة قبل كده، إيه رأيك في الكلام ده يابا؟
أومأ برأسه في استحسانٍ وهو يرد:.

-عين العقل.
سأله بتوجسٍ، وقد ضاقت عيناه:
-بس تفتكر البت ترضى؟
ببساطةٍ جاوبه:
-دي حاجة ترجعلها هي.
همهم ابنه مضيفًا، وأمارات التفكير تظهر جلية على قسماته:
-والله أنا محتار، ما هو احتمال هاجر متوافقش، وأنا هتحرج مع الراجل، وخصوصًا بعد وقفته معانا.
اعتدل سلطان في جلسته، وحادثه على مهلٍ:.

-بص يا بدير، بنتك بعد اللي شفته مع محرز مش هتوافق بسهولة، لأن اللي عاشته مكانش قليل، وده بعد ما جه في الآخر على ضناها، يعني مارحمش حد.
هز رأسه يؤيده:
-معاك حق.
واصل كلامه العقلاني معه:
-وإنك تفاتحها دلوقتي عن حد متقدملها هيقلب معاها بالعكس، وهتفتكر كل اللي مرت بيه.
نظر إليه معلقًا بإيجازٍ:
-مظبوط.
أنهى النقاش في تلك المسألة بقوله الحاسم:
-احنا نكفي على الخبر ماجور، لحد ما ربنا يأذن، ووقتها يحلها الحلّال.

رد دون اعتراضٍ:
-ماشي يابا، اللي تؤمر بيه.
قال مبتسمًا وهو يربت على كتفه:
-لأ ده الصح، واللي المفروض يتعمل.
بادله الابتسام وهو يدعو له:
-ربنا يباركلي فيك يابا، ويديمك فوق راسنا.

ما لاقاه على يده كان مهينًا لأبعد الحدود، جعل اعتقاده الراسخ في ذهنه، وما تربى عليه منذ نعومة أظافره، بأن الرجولة تتمثل فيما يمتلكه الفرد من أعضاءٍ حددت هويته لحظة الميلاد، لا يساوي شيئًا أمام إذلاله وكسر شوكته في حضرة الغرباء. وعند نفس البقعة التي اختطف فيها، تم إلقاء جسده المنتهك بجوار الكوبري، ليزحف بعدها فضل ناهضًا وهو يئن من الألم والانكسار، تلك المرة لم تتبعثر كرامته فحسب، وإنما قُضي على جبروته الزائف، هذا الذي يمارسه على الضعفاء. جرجر ساقيه عائدًا إلى منزله، ووجهه ملطخًا بدمائه، ودموعه الذليلة. هللت سعاد في هلعٍ حينما أبصرته على تلك الحالة المشينة:.

-يا نصيبتي السودة! إيه ده يا فضل؟ حصلك إيه؟
بصوتٍ مرتجف، وجسد لا يتوقف عن الارتعاش رد كاذبًا:
-ما، مافيش يامه.
استنكرت كذبه المكشوف، وأصرت على معرفة الحقيقة بضغطها اللحوح عليه:
-إزاي مافيش؟ ده إنت متبهدل خالص، وإيه اللي في وشك ده كمان؟
انكمش على نفسه في رهبةٍ عندما امتدت يدها لتلامسه، وقال بحرقةٍ، متجنبًا الجلوس رغم صراخ جسده ليستلقي:
-سبيني يامه السعادي.
رفضت تركه لشأنه، وتبعته إلى الداخل قائلة بعنادٍ:.

-لأ مش هاسيبك يا فضل، لازمًا أعرف حصلك إيه...
ثم رفعت من نبرتها، ونادت:
-يا حاج اسماعيل، تعالى بسرعة، شوف ابنك واللي جراله.
أتى إليها زوجها مرددًا في توجسٍ:
-يا ساتر استر يا رب.
وقعت أنظاره على ابنه، جال ببصره عليه ليفحصه من رأسه لأخمص قدميه، ثم سأله بدهشةٍ مستهجنة:
-إيه ده يا فضل؟ من إيه كده يا ابني؟
صرخ في يأسٍ، والخزي مستبد منه:
-يوووه، ما كفاية بقى تحقيق...

عنفه والده بضيقٍ، وهو يرمقه بتلك النظرة المزعوجة:
-دي جزاتنا إني أنا وأمك قلقانين عليك؟
خبت نبرته العالية، وأخبره بلجلجةٍ، أظهرت فداحة ما يحاول نسيانه:
-مش قصدي يابا، بس، أصلي، تعبان، و...
بلع ريقه، ومسح دموع الألم العالقة بأهدابه ليتابع بكذبةٍ بدت لائقة في لحظتها:
-وبعدين، دول، حرامية، أه، هما حرامية طلعوا عليا...

وجد أنها حيلة مناسبة لإقناع أبويه بما تعرض له، بعيدًا عن قص تفاصيل الاعتداء الجسدي المهين الذي خاضه، فاستفاض في سرد كذبته:
-ثبتوني في حتة مقطوعة، وسرقوا اللي كان معايا، وبهدلوني آخر بهدلة، وأنا مكونتش قادرلهم.
هتف اسماعيل بوجهٍ تحول للغضب:
-حرامية نواحينا؟ يبقى لازمًا نبلغ المركز.
خشي من افتضاح أمره، فصحح له:
-ما أنا ملحقتش أشوف وشهم، كانوا متلتمين، واتكاتروا عليا، وخدوني غدر.

ربتت سعاد على كتفه بحنوٍ وهي تواسيه:
-كبدي عليك يا ابني، منهم لله البُعدة...
تقلصت تعبيراتها، وأضافت توصيه في حزمٍ:
-إنت مش لازم تسكت يا ضنايا، حاول تقعد مع نفسك وتفتكر هما مين، جايز نوصلهم.
تشدق رافضًا بنزقٍ:
-لأ مش عايز.
نظرت له باستغرابٍ، فراوغها في الكذب:
-قصدي يعني أما أفوق الأول، سبيني أروح أغسل جتتي، وأفرد ضهري.
هزت رأسها تستحثه:
-ماشي يا ضنايا، على مهل، وأنا هحضرلك لقمة تاكلها.

استوقفه اسماعيل متسائلاً:
-هتعمل إيه مع مراتك؟
قال بنفورٍ وهو يلوح بذراعه في عصبيةٍ جعلته يئن من الألم:
-وده وقته يابا، سيبوني في الهم اللي أنا فيه.
تابعه والده وهو يتوارى عن أنظاره مهمهمًا:
-ماشي براحتك.
بخطواتٍ متمهلةٍ وساقين شبه منفرجتين استمر فضل في سيره الحثيث، وصوت همسه المغلول بالكاد يُسمع:
-منه لله الظالم، عرف إزاي يكسر عيني.

أرادت والدتها شرائه خصيصًا له، معلنة عن تكفلها بكامل مصاريفه بعد بيع قطعٍ من مشغولاتها الذهبية، فلا شيء يُقارن برؤية شقيقها جالسًا معهم، ولهذا كلفت ابنتها بتلك المهمة الهامة، فلم تفكر فيروزة مرتين، وقضت وقتًا مطولاً -على شبكة الإنترنت- تبحث عن الأماكن التي توفر مثل تلك النوعية الحديثة من الأجهزة الطبية، إلى أن وقع الاختيار على المناسب لحالته الصحية. وبعد اتفاقٍ مسبق مع الصيدلية القريبة من المنزل، وردها اتصالاً هاتفيًا من أحد العاملين بها يخبرها فيه بتوافر الكرسي الكهربي المدولب، ذاك الذي رغبت والدتها في منحه كهدية ل خليل.

ارتدت فيروزة ثيابها، وتأكدت من هندمة ثياب رقية لتشاركها في ابتياعه، ولم تحبذ همسة -الماكثة في المنزل- تفويت الفرصة عليها، فأصرت على الذهاب معهما، ليتسابق ثلاثتهن على فعل الخيرات. وقبل أن يصلن للصيدلية، راودت فيروزة فكرة فجائية تحمست لها بشكلٍ غير مسبوق، لما لا تعرج في طريقها على الدكان وتلقي التحية على من فيه؟ خاصة مع قرب المكان من الصيدلية. تعاظمت رغبتها في تنفيذ ذلك مع تقدم خطواتها، وأقنعت نفسها بحجة ضعيفة، أنها تفعل هذا لإبداء عرفانها بالجميل، وليس لغرضٍ آخر، هكذا أوهمت نفسها! حمحمت قائلة بنوعٍ من الجدية، وكأنها تستشيرها:.

-بأقولك إيه يا همسة، إيه رأيك لو عديت على الحاج بدير أسلم عليه؟
حملقت فيها بغرابةٍ، فتابعت موضحة لها:
-يعني كتر خيره قايم معانا بالواجب وزيادة، ومراته كمان جت زارتنا من كام يوم، ده غير ما بعتولنا زيارات، وحاجات كتير بصراحة، ها إنتي رأيك إيه؟
رحبت باقتراحها قائلة:
-وماله يا فيرو، روحي إنتي، وأنا هاسبقك على الصيدلية مع كوكي.
ضاقت عيناها وهي تسألها باندهاشٍ:
-هو إنتي مش هاتيجي معايا؟
ضحكت قبل أن تجيبها:.

-يا بنتي أنا في وشهم ليل نهار، هما زمانهم زهقوا مني، روحي إنتي وحصلينا.
ضغطت على شفتيها لثوانٍ قبل أن تنطق أخيرًا باقتضابٍ؛ وكأنها لم تكن راضية عن الأمر:
-تمام.
ودعتها بابتسامتها اللطيفة:
-متتأخريش علينا، سلام.

انتظرت فيروزة في مكانها لبضعة لحظاتٍ حتى غادرت توأمتها المكان مع ابنة خالها، ثم استدارت بعدها متجهة نحو الزقاق الضيق الذي يختصر المسافة إلى الدكان، لو لم يكن الطريق مُبعدًا لصدقت أنها تتعثر في خطواتها، فهناك ربكة غامضة تعتريها كلما دنت أكثر من محيطه، تجبر ساقيها على الالتفاف، حتى خفقاتها لم تعد ثابتة، ازدادت سرعتها بشكلٍ استثار استغرابها؛ ومع هذا لم تكن ممانعة لما يحدث معها. تنفست بعمقٍ قبيل وصولها إليه، لتستعيد انضباط انفعالاتها، ورددت مع نفسها:.

-أنا جاية أشكر الراجل، مافيهاش حاجة يعني.
استمرت في إقناع نفسها بهذا، وتقدمت أكثر للأمام، نظرة سريعة خاطفة ألقتها على من هو مرابط بالدكان، لم تتبين وجهًا مألوفًا بين المتواجدين، سوى الحاج بدير، فالأخير كان جالسًا كعادته أمام مدخله، تنحنحت مجلية أحبال صوتها، واقتربت أكثر منه لتلقي التحية عليه، وهي تزيح خصلة نافرة سقطت على جبينها إلى خلف أذنها:
-سلامو عليكم يا حاج.

صوتها الناعم الذي يعرفه جيدًا، اخترق الجدران الخرسانية ليصل إليه، وهو يقف بين عماله يحصر ما استلمه للتو من بضائع طازجة، ليستعبد كامل حواسه عن طواعيةٍ ورغبة، مستشعرًا بقوة وخزات الحب وهي تعصف بكيانه. قفز قلبه في صدره فرحًا، كمن يمارس حركات البهلوان باحترافية، التفت يأمر أحدهم، دون أن يركز في هويته:
-كمل باقي الفرز.

خرج تميم مستندًا على عكازه، ليجدها تضحك ملء شدقيها، بابتسامةٍ أعطت لعشق الفؤاد سحرًا فريدًا، سحرًا كان وما زال تأثيره عليه مُبينًا. ابتسم عفويًا لضحكتها، وعيناه تهيمان في ملامحها، حركت رأسها ناظرة إليه بنظرةٍ عميقة، احتوت على شيءٍ خاص به، نظرةٌ هائمة، بها أصدق التعبيرات، كانت له وحده، لم يكن ليحلم أبدًا بها، يا لروعة النظرات! ما الذي يريده أكثر من هذا؟ أفاق من سرحانه المتيم في تأملها على صوتها المتسائل:.

-إزيك يا معلم؟
حشرجة خفيفة اعتلت نبرته أجلاها سريعًا وهو يرد:
-الحمدلله...
تنحنح يسألها وهو يفرك مؤخرة عنقه:
-إنتي عاملة إيه دلوقتي؟
قالت بنفس الابتسامة المشرقة:
-أحسن الحمدلله...
ثم وزعت نظراتها بينه وبين أبيه، وهي تواصل القول:
-أنا تعبتكم معايا الفترة اللي فاتت، وقلقتكم.
قبل أن ينطق والده هتف من تلقاء نفسه يعاتبها:
-متقوليش كده، والله أزعل، ده إنتي غالية عندي.

اندهش بدير من جملته الأخيرة، ولم تقل دهشة فيروزة عنه، فحاول تصحيح زلة لسانه:
-عند، العيلة كلها.
تابع التغطية على إحراجه بإضافة:
-إنتي هتفضلي واقفة كده يا أبلة، اتفضلي اقعدي، مايصحش مانقومش معاكي بالواجب.
وتراجع خطوتين ليسحب لها مقعدًا خشبيًا وضعه أمامها ليدعوها للجلوس، اعتذرت منه بلباقة:
-وقت تاني، أنا ورايا مشاوير بخلصها.
أصر عليها بعينين لمعت في حزنٍ طفيف لرحيلها المبكر:
-والله ما يحصل..

أسبل عينيه نحوها، وتسللت من بين شفتيه تنهيدة بطيئة وهو يكمل جملته:
-يعني خليكي معانا شوية، بلاش تحرمينا من طلتك الحلوة.
توردت بشرتها من كلماته المصحوبة بنظراته الساهمة، وتجنبت التحديق في وجهه، لتنظر إلى أبيه قائلة بربكةٍ شبه ملحوظة:
-مش، عايزة أزعجكم، إنتو وراكم شغل كتير.
بتعجلٍ أخبرها تميم دون تفكيرٍ:
-الشغل يستنى.
نطق بدير أخيرًا ببسمةٍ ذات مغزى، وهو يدور بنظراته على الاثنين:.

-أه طبعًا، يتعطل عشان الغاليين.
تسربت دفعة من الحُمرة الساخنة إلى بشرتها حرجًا من كلامه المبطن، وقالت ببسمة خجلة:
-شكرًا يا حاج، تتعوض مرة تانية، اعذرني المرادي.
أصر عليها بدير إرضاءً لتلهف ابنه الغريب:
-والله أنا اللي هزعل، دول دقيقتين، مش حكاية يعني، مسافة ما الحاجة الساقعة تيجي.

لم ترغب فيروزة في رفض طلبه، وباستحياءٍ جلست على المقعد، متحاشية النظر في اتجاه تميم الذي اختفى للحظات بداخل الدكان، ليعود إليها وفي يده ثمرة تفاحٍ كبيرة طازجة، لونها مغري للأنظار، وملمسها ناعم على اليد. وضع مقعده مجاورًا لها، ثم قرب يده منه، ليقدمها إليها قائلاً بما يشبه الغزل:
-اتفضلي يا أبلة، التفاح للتفاح.

رفعت عينيها ببطءٍ لتنظر من على قربٍ إلى ملامحه المشرقة، وهي تشعر أن لون بشرتها قد غدا مثل التفاحة الممسوكة بيده، ابتسامة اعتبرها مغرية تدلت على جانب شفتيها وهي ترد:
-شكرًا، مش جعانة.

وكأنه تناسى ما حوله من مارة، وزحام، وأعين متلصصة، وأنوف فضولية، فطغى الهوى على العقل، وسقط القلب أسيرًا للغرام. عمق تميم من نظراته الساهمة، غارقًا في سحر الفيروزتين، أراد إخبارها أنه اقتص لأجلها، ممن أذاها بالقول والفعل، أذله، وجعله يقاسي ما لم يخطر على بال؛ لكنه لم يفعل، أسره في نفسه حتى إشعارٍ آخر، حينما يتجدد اللقاء، وتكشف القلوب عن الأسرار. ابتسم لها، وسألها بعتابٍ رقيق:
-كده هتكسفيني؟

ردت نافية، وجفناها لا يتوقفان عن التحرك:
-لأ، بس أنا...
قاطعهما بدير بلهجةٍ جادة، جعلت تميم يتدارك نفسه، ويخفض أنظاره في حرجٍ كبير:
-خديها يا بنتي خلينا نخلص.
قالت بنفس الوجه الخجول:
-حاضر يا حاج.
وجه بدير حديثه لابنه، يأمره بصرامةٍ، لا تخلو من تحذير موحي:
-وإنت يا تميم قوم شوف مصالحك، الناس مابتسبش حد في حالها، وإنت عارفهم أكتر مني.
فهم ما يرمي إليه بنظرة واحدة منه، وقال ساحبًا مقعده معه بضيقٍ:.

-ماشي يابا.
ورغم تعابيره الجادة إلا أن صوته كان هادئًا معها وهو يودعها:
-أشوفك على خير يا أبلة.
ردت بإيجاز، وهي تتحاشى النظر إليه:
-إن شاء الله.

انصرف عنهما عائدًا إلى الدكان، مبرطمًا ببعض اللعنات المزعوجة؛ لكن والده كان محقًا في إبعاده عن محيطها في تلك اللحظة، حتى لا يلصق بها ريبًا، فتضر في سمعتها دون مقصدٍ منه، راقبها من زاوية بعيدة، وقلبه يخفق مع ابتساماتها النضرة، تلك التي تتراقص على أوتاره الحساسة. تجددت مناجاته الصامتة، مستحضرًا بقوة في ذهنه، حلمًا يرجو فيه التمتع بنعيم قربها:
-اجعلها من نصيبي يا رب.!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)