قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الرابع

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الرابع

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الرابع

صراخها الحاد المصحوب بعويلٍ غير مفهوم، اخترق سكونه الإجباري، ليحفزه على إسكاتها، فاستعاد تدريجيًا وعيه؛ لكنها لم تدرك هذا وسط نوبة هياجها، استجمع فكره الضائع، وبدأ عقله التائه في منحه تفسيرًا سريعًا لما يدور حوله؛ وإن لم يلم بالصورة الكاملة بعد، نفس الكلمات المستهلكة، والعبارات الباعثة على النفور تتردد بقوة من حوله، لتذكره بواقعه المؤذي معها، الاهتزازات العنيفة التي أصابت بها جسده، جعلته أكثر يقظة، وتنبهًا لتصرفاتها الخرقاء. شحن تميم كامل طاقته الخامدة، ليصل إلى يدها، قبل أن تتمكن من لمسه، لم يفتح جفنيه بعد، فقد كان رافضًا بشدة، أن تحظى بأفضلية أول من تبصره عيناه، بعد انقطاعٍ عن عالمه المألوف، وإن كان لم يدرك بعد، كم مضى عليه في هذا الخمول المرهق.

ارتخت أصابعه عنها، فسحبت خلود يدها وهي تكاد لا تصدق نبذه الكريه لاقترابها، تملكها المزيد من الغضب الأهوج، وارتفعت نبرة الحقد في صوتها، فسألته:
-يعني إيه متحرمة عليك؟
لم يفتح عينيه بعد، وأجاب بصوته الهادئ، فأظهر وهنه:
-زي ما سمعتي.

آلام عنيفة اجتاحت جسده وهو يحاول تحريك أطرافه، كتم بصعوبة تأويهاته، حتى لا يظهر بالضعف أمامها، تخلى عن تلك المحاولة ريثما يشحن طاقاته المفقودة؛ لكن صوتها المزعج ضاعف من صداع رأسه، وهي تلومه:
-ليه يا تميم كده؟ ده أنا مراتك، أنا...
قاطعها بعصبيةٍ بذل جهدًا كبيرًا خلال ذلك، حتى لا ينعكس في صوته؛ لكنه فشل:
-أنا لسه بعقلي، وأنا طلقتك، اللي بينا خلص من زمان، وكفاية بقى تعبت من الأسطوانة دي.

رنة الصراخ باتت مؤذية أكثر له عن ذي قبل وهي تواصل معاتبته ببكائها:
-حرام عليك، بتعمل فيا كده ليه؟
إكرامًا للماضي، منحها فرصة أخيرة، قبل أن يندفع في تجريحها، بقوله الصارم:
-لو لسه عندك شوية احترام لنفسك امشي من هنا.
كورت قبضتها، وضغطت على أناملها حتى ابيضت مفاصلها، عندما سألته بغيظٍ:
-عايزيني أمشي عشان تفضل تفكر فيها براحتك؟

كانت إلى حد ما محقة في جملتها الأخيرة، ولم يكن ليلومها على هذا، لولا أن أساءت إليه بحديثها الفج:
-خلاص كلت دماغك بنت الـ (، ) حتى وإنت بتموت؟
للمرة الأولى اضطر أن يتخلى عن رغبته في عدم رؤيتها، لتماديها في إحراق أعصابه بلغوها المزعج، وإساءاتها المتكررة، خاصة إلى من حُرم الفؤاد من التعلق بها، حدجها بنظرة قاسية، خالية من المحبة، قبل أن يهدر بها مهددًا، بصوتٍ آلم صدره:.

-احفظي لسانك لو هتكلمي عنها، وإلا...
سعل بشدةٍ حتى جُرحت أحباله الصوتية، كذلك حركته المفاجئة جعل الألم ينتشر بعنفٍ في أنحاء جسده. استفزها دفاعه عن فيروزة ؛ وإن لم تعد له، شعرت بغليانٍ يكوي قلبها، فسألته بصوتٍ حاقد، ونظرات نارية:
-وإلا إيه يا تميم؟
حرك يده ببطءٍ، وأمرها بصوتٍ لاهث للغاية:
-امشي من هنا.
تجاهلت أمره، وسألته بنفس الصوت الحانق، وعيناها تشتعلان أكثر:
-كل ده عشانها؟

سعل مجددًا وهو يخبرها:
-مايخصكيش...
استطاع أن يشعر بطعم العلقم المرير في جوفه، عندما أكمل جملته بهمسٍ متألم:
-ولا حتى هي تخصني دلوقتي.
فقدت آخر ذرات تحملها، فانفجرت تصرخ فيه بهياجٍ أقوى عن كل مرة، مظهرة شماتة مثيرة للغثيان، وهي تلوح بكفيها أمام وجهه:
-ده إنت تستاهل اللي اتعمل فيك.
اتسعت حدقتاه مصدومًا من ردها الوقح، ومع هذا واصلت الإفصاح عن نواياها الشريرة، بتهديدٍ أشد رعونة:.

-ولو كانت قصادي كنت قتلتها بإيديا دول، عشان أشوف قلبك محروق عليها.
عجزت أطرافه عن الاستجابة لرغبته في الانتفاض، والتحرك من تلك الرقدة السقيمة، لطردها من محيطه، ما زال جسده يئن من أوجاعه المُهلكة، وهي كالمجذوبة تُلقي بالملح على جروحه الملتهبة، لتزيد من إحراق روحه المعذبة، لو لم يكن مقيدًا بالجبائر الطبية، لفعل الأسوأ في حقها، متناسيًا ما كان بينهما يومًا، تبقى له صوته ليصيح فيها بخشونةٍ:.

-اطلعي برا.
تجاهلت مجددًا، وهدرت تسأله بمرارةٍ كبيرة:
-هي أحسن مني في إيه؟
قست عيناها وهي تلعنها باحتقارٍ:
-دي ماتسواش مداس في رجلي!
جُرحت أحباله وتقطعت بألمٍ عندما هتف بها:
-امشي من هنا.
قضت على قشة الاحترام الأخيرة، بوقاحتها غير المحدودة، وتلك النظرة الحقود تنطلق من عينيها:
-تصدق بالله، إنت تستحق إنك تكون عاجز كده، متقدرش حتى تقوم من مكانك.

استجمع آخر ما تبقى في صوته المبحوح ليهدر عاليًا، بكل ما فيه من غضب:
-غــــــــــوري من هنا.
على إثر احتدام أصوات صراخهما، جاءت الممرضة ركضًا إليها، تفاجأت بإفاقة المريض الذي اعتبرت حالته حرجة للغاية، وما أدهشها أكثر اشتباك زوجته معه، توجهت على الفور إلى الأخيرة، تجذبها من كتفيها بعيدًا عنه، وهي ترجوها، بعد أن أدركت حجم المشكلة التي أوقعتها فيها، بسبب عصبيتها الفاضحة:.

-يا مدام، اللي بتعمليه ده ما يصحش.
بنظراتٍ شيطانية تابعت خلود قائلة، بنوعٍ من الشماتة الحقود، وهي تقاوم الممرضة التي تسعى لإخراجها من المكان:
-تعرف اللي عمل كده فيك، يستاهل فلوس الدنيا كلها.
حدجها تميم بنظراتٍ قاتلة، حافظ على صمت، رغم النهجان الظاهر على صدره، لم يعقب عليها، والتفت ناظرًا إلى الطبيب الذي انضم إلى ثلاثتهم، ليبدأ في توبيخ الممرضة لتساهلها مع حالة المريض:.

-إيه المهزلة دي؟ مين سمحلها تدخل؟
أنكرت الممرضة في حرجٍ، ووجهها متضرج بحمرةٍ قلقة:
-مش عارفة يا دكتور.
استخدمت كامل قوتها لتبعدها عن فراشه؛ لكن خلود أصرت على إفراغ ما في جعبتها من حقدٍ مغلول، فاستأنفت متوعدة إياه:
-وأنا بأقولهالك يا تميم، وقصاد الغُرب والقُرب، بحق كل لحظة حبيتك فيها لأخليك تكره اليوم اللي سبتني فيه، وفكرت في الـ(، ) دي!

استعانت الممرضة بزميلتها التي جاءت على إثر الصخب العنيف، تعاونت الاثنتان في إزاحتها من مكانها، وإخراجها من الغرفة، ومع ذلك بقي صوتها المرتفع يهدد بشراسةٍ متعاظمة:
-هخلي حياتك جحيم أكتر ما هي، وهتشوف يا ابن خالتي خلود هتعمل فيك إيه.

صدمة على كافة المستويات والأصعدة، لم يكن ليتخيل حدوثها أبدًا، أو ارتباطها به؛ لكن التحريات الدقيقة، والنتائج الأخيرة التي توصلت لها الأجهزة الأمنية، أظهرت تلك الصلة الخفية بين الاثنين، لم يكن وجدي ليتصور أبدًا أن رفيقه المقرب، يُدير في الخفاء أعمالاً غير مشروعة. وصمة عار على جبينه، بل وعلى جبين كل من علاقة به، بالطبع لم يخبر ماهر عن تلك الأخبار هاتفيًا، أراد أن يطلعه على ذلك شخصيًا، وعلى حسب الموعد المتفق عليه، اجتمع معه في النادي، وهو لا يعرف كيف يفاتحه فيه.

لاحظ ماهر الحيرة البادية على وجهه، ناهيك عن الوجوم المنتشر في تقاسيمه، لهذا بادر متسائلاً في اهتمامٍ:
-خير يا وجدي؟ كنت عايز تشوفني ضروري ليه؟
سأله مباشرة دون استهلالٍ:
-امتى آخر مرة اتكلمت فيها مع آسر؟
صمت للحظاتٍ ليعصر ذاكرته، قبل أن يمنحه الجواب المفسر:
-تقريبًا قبل ما يسافر، وبعتله رسالة أباركله فيها على جوازه من صاحبة علا.
زم وجدي شفتاه لثانية، وعقب بوجومٍ يدعو للريبة:
-طيب.

تفرس ماهر في وجهه بنظراته المتشككة وهو يسأله:
-هو في حاجة؟ بتسأل عنه ليه؟
بامتعاضٍ أجابه، دون أن تفتر تعابيره العابسة:
-إنت عارف طبعًا إني شغال على قضية تهريب كبيرة.
هز رأسه مؤمنًا على كلامه، وأضاف:
-أيوه، وبدأت تمسك خيوط فيها.
اقتضب في رده الحذر:
-بالظبط...
تركزت عينا ماهر معه، فوراء تردده الملحوظ إيحاءً عظيمًا بكارثة خطيرة، وزاد هاجسه قوة، عندما تكلم بزفيرٍ ثقيل؛ وكأنه يستصعب الأمر:.

-ومن ضمن الخيوط دي، اكتشفنا إن في علاقة بين واحد من المتورطين فيها وآ...
في بادئ الأمر، لم يجرؤ على الإفصاح عن هويته، فسأله ماهر بفضولٍ مهتم، وقد كان مرتخيًا في تعبيراته:
-مين؟
ثبت أنظاره عليه، ونطق بوجهٍ مكفهرٍ للغاية:
- آسر.
برزت عيناه في محجريهما لصدمته، وردد في ذهولٍ:
-أوعى يكون قصدك عن آ...
لم يدعه يكمل جملته، وتابع بدلاً منه:
-أيوه هو، آسر صاحبنا.
هتف مذهولاً بتعابيرٍ أشد وطأة في صدمتها:.

-طب إزاي؟ أكيد في حاجة غلط! استحالة يكون الكلام ده مظبوط، آسر مش من النوعية دي.
كانت ملامحه المتجهمة دليلاً على ضيقه الكبير من الحقيقة الصادمة، ولهذا بدت رنة الحنق واضحة في صوته وهو يعقب عليه:
-أنا عملت زي كده، ماكنتش مصدق، لحد ما اتأكدت بنفسي، بعد ما خدنا أمر من النيابة بتفريغ سجل مكالمات محرز من شركة المحمول، كشفنا عن الأرقام، وطلع واحد فيهم بتاع آسر، والمكالمات بينهم من زمان.

بعقلٍ رافض للاستيعاب، دمدم ماهر بنفس الصوت المذهول:
-استحالة يكون بالوضاعة دي!
رنة من السخرية، غلفت نبرة وجدي، حين قال بكلماتٍ بطيئة متهكمة:
-تخيل إنت بنحكي عن شغلنا قصاده ليل نهار، واللي بنعمله عشان نمسك المهربين، وهو يسمع من هنا، ويظبط عملياته على الأساس ده.
نظر له في أسفٍ، وسأله:
-طيب وهتعمل إيه؟
ظهرت الحيرة على ملامحه وهو يرد:
-لسه مش عارف، ما هو البيه يعتبر هربان برا، وأنا محتاج أجيبه هنا.

صمت الاثنان عن الحديث، ليسترجعا ما كان يجمع ثلاثتهم من صداقة ممتدة، تخللها لحظات فرحة وسرور، ولحظات حزنٍ وهموم. زفر ماهر الهواء المحمل بدخان سيجارته المشتعلة، قبل أن ينطق بحنقٍ:
-المصيبة إني كنت فاتحله بيتي، ومأمنه على أختي.
رد في ندمٍ حرج:
-الموضوع ده لطتنا كلنا.
أيده في قوله بإضافة المزيد، باستهجانٍ صريح:
-فعلاً، وجايز يفكروا إننا متورطين فيه، ولا يمكن نكون بنمده بالمعلومات.
رد على مضضٍ:.

-ماتستبعدش ده، وخصوصًا إن الكل عارف علاقته بينا.
-أيوه
خرجت كلمته الأخيرة مع إنهائه لسيجارته الأولى، قبل أن يتبعها بأخرى، عل دخانها الحارق يساعده في التنفيس عن الغضب المتجمع في صدره، ارتفعت أنظاره نحو وجدي من جديد، وهو يطلب منه برسميةٍ:.

-يا ريت يا ماهر ماتجيبش سيرة لـ علا كمان، مانضمنش تتصرف بتهور، وأنا مش عايزه يشم خبر إننا عرفنا، أو حتى يلاحظ إن في تغيير ولا حاجة في المعاملة، لحد ما نشوف خطة نرجعه بيها للبلد.
علق بتبرمٍ:
-أكيد أنا مش غبي للدرجادي.
تنحنح قبل أن يوضح له:
-لزيادة الحرص مش أكتر.
-تمام.

التفت وجدي بعينيه نحو النادل الذي أحضر القهوة إليه، شكره بإيماءة صغيرة من رأسه، تجرعها ببطء، وقد بدا عليه التفكير العميق، نظر في اتجاه رفيقه الذي لم يتوقف عن إحراق السجائر واحدة تلو الأخرى، حرر الهواء المعبق بالدخان من رئتيه، واستطرد مجددًا:
-لازم نفكر سوا عشان نقدر نجر رجله ونخليه ينزل.
بالرغم من الكدر المنتشر في عينيه، أردف ماهر قائلاً بغموضٍ:
-في دماغي كده فكرة لو ظبطت، جايز تنفع.

تطلع إليه وجدي باهتمامٍ، وحثه على مشاركته أفكاره طالبًا منه:
-قولي عليها.
لم يرف جفناه وهو يحرك فكه لينطق:
- فيروزة صاحبة علا، أكيد هي زيها، متعرفش حاجة عنه.
في سخرية مريرة علق عليه صديقه:
-ده أكيد، إذا كنا احنا صحابه مكوناش عارفين إنه من موردين المخدرات، هي هتعرف إزاي؟
بلمحة من الثقة واصل القول، وقد بدأت معالم الخطة في التشكل في عقله:
-طرف الخيط هايكون من عندها.

بدا الأمر مشوقًا، فظلت أنظاره المهتمة مرتكزة عليه، بينما تابع ماهر بلهجة عملية بحتة، وقد برقت عيناه على الأخير:
-صدقني، لو ظبطنا الحكاية صح، نهايته هاتكون على إيد مراته.
.

الحظ لا يطرق الباب مرتين! لكن معها اختلف الأمر، ربما لأنها كانت مضطهدة للغاية، فأشفق ذاك الغريب عليها، أو لأنها بالفعل تستحق فرصة للنجاة من الجحيم الذي أوقعت نفسها فيه. لحظات من الصمت الشارد، كان كل ما حصلت عليه، بعد بقائها بمفردها، وإدراكها أنها أصبحت سجينته العاجزة، حاولت فيروزة الهروب من قساوة حياتها، بسرحانها الحزين في ذكريات مليئة بالسعادة، جمعتها مع عائلتها، جعلت عيناها تستدعي الدموع إليها. تلقائيًا وجدته يقتحم ذكرياتها الخاصة، بوجه ذي الملامح الجادة، وصفاته المفعمة بالرجولة، وكأنه السلوى لها، في عالم خلى من أمثاله، استنكرت لجوء عقلها للتفكير في تميم، بل ومقارنته بمن يحمل لقب زوجها، حقًا المقارنة مجحفة وفي غير محلها!

ذاك الوضيع الذي لعن جسدها بازدرائه المهين، وإهاناته الجارحة، جعل ثقتها تتزعزع، تحركت يدها المستريحة على كتفها، لتهبط للأسفل قليلاً؛ حيث ندوب الماضي المحفورة على جلدها، ارتجفت وهي تتلمس بأطرافِ أناملها، ما وصفه بأنه تشوه متقيح، يحفز النفس على التقيؤ، عند التطلع إليه، أطبقت على جفنيها في حسرة، والدموع تنهمر منهما، طرقة ثابتة على باب المنزل جعلتها تتجمد في جلستها، تخشبت، وفتحت عينيها لتحدق فيه بتوترٍ.

كانت فاقدة لقدرتها على مجابهته، تحتاج لبعض الوقت لاستعادة ضبط انفعالاتها، بعد ما تكبدته من معاناة متواصلة، طرق باب المنزل مجددًا، فانتفضت فيروزة في مكانها، لم تطئ غرفة النوم منذ أن خرجت منها، بقيت جالسة على الأريكة الوحيدة الموجودة بالصالة، استقامت في جلستها، ونظرت إلى الباب بعينين فارغتين، استمر الطرق الحذر عليه، فأجبرت نفسها على النهوض، وسارت ببطءٍ في اتجاهه، تسمرت في مكانها، وقد أتاها صوتًا ذكوريًا يخبرها من الخارج باللغة الانجليزية:.

-أعلم أنكِ بالداخل، سيدتي.
مشيت على أطراف أصابعها لتصل إلى الباب، ألصقت كفيها به، ومالت برأسها نحوه، ثم أرهفت السمع إلى الصوت الذي واصل القول:
-وزوجك ليس متواجدًا معكِ.
تفاجأت من تصريحه، وشعرت بدقات قلبها ترتفع في صدرها من رهبتها، استجمعت نفسها، وسألته باهتزازة بائنة في صوتها:
-من أنت؟
أجابها بصوتٍ ثابت، باعث على الهدوء:
-أنا حارس البناية الأمني، من تحدث معكِ قبل قليل.

دون تفكيرٍ سألته، وعيناها تتحركان في توترٍ:
-وماذا تريد؟
طلب منها بلطفٍ:
-رجاءً افتحي الباب لنتكلم بالداخل...
وقبل أن ترد عليه أضاف بلهجةٍ شبه جادة:
-فالأمر هام، ويخصك...
بلعت ريقها، وسألته:
-كيف؟
أجابها بلكنة عربيةٍ حاول أن تبدو مفهومة لها:
-اعلم أن زوجك اعتدى عليكِ بالضرب، كان هذا واضحًا، وأنا جئت لمساعدتك.
خفق قلبها بقوةٍ، وقبل أن ترفض مساعدته، أصر عليها:.

-لا تقلقي، سيبقى الأمر سرًا، أؤكد لكِ هذا.
ترددت في قرارها، وأخبرته بحرجٍ كبير:
-للأسف، لا أملك المفتاح، فأنا محبوسة هنا.
ببساطة أعلمها:
-لا تقلقي، معي نسخة احتياطية، فقط إن سمحتِ لي.
تصريحه الغريب أشعرها بأن قدومه إليها مقصودًا، استغرقت في تفكيرها الحائر، فشردت عن منحه الرد، وحين طال صمتها سألها بتهذيبٍ:
-سيدتي! هل أنتِ معي؟
تنبهت له، وقالت على عجالةٍ:
-نعم.
كرر عليها طلبه، بإلحاحٍ أشد:.

-هل تسمحي لي بالدخول؟ أنا حقًا أريد مساعدتك، هل توافقين؟
ولأن فضولها غلب مخاوفها أجابته:
-نعم، لحظة واحدة.

استدارت بجسدها، تفتش بعينيها سريعًا، عن عباءتها التي انتزعتها، بعد رحيل الحقير آسر، وجدتها ملقاة بإهمالٍ على مسند الأريكة، سارت على مهلٍ في اتجاهها، وارتدتها حول جسدها الذي برزت فيه كدماته الزرقاء بوضوحٍ، ضغطت على شفتيها كاتمة أنات الألم، ثم عادت إليه بعد دقائق لم يتعجلها بها، وقفت على بعد خطواتٍ من الباب تهتف من ورائه، بقلبٍ يخفق بشدة:
-تفضل، يمكنك الدخول الآن.
.

الغليان الذي استعر في صدرها، كان الحافز المثالي، لتحريك دوافعها الانتقامية منه، وها قد بدأت في الشروع في تنفيذ مخططاتها الإجرامية، بعد تفكيرٍ عميق، استغرقها ليالٍ طويلة، رسمت في ساعاتها الممتدة، تفاصيل كل شيء، ليكون انتقامها موجعًا حتى النخاع. توقفت حمدية أمام باب المنزل الخشبي، ترمقه من خلف الساتر القماشي الأسود الذي يحجب كامل وجهها بنظراتِ ازدراءٍ كبيرة، لجأت لارتداء النقاب عن عمدٍ، ليكون وسيلتها المضمونة للتخفي السريع عن الأعين، فرغبتها في اختراق بيته الآخر، دون إثارة الشكوك كان واضحًا في تصرفها هذا. كتمت غضبها، ورفعت يدها لتطرق على الشراع الزجاجي، اِربد وجهها بالغضب مع سماعها لصوتٍ ناعم يقول من الداخل:.

-أيوه يا اللي بتخبط.
جاهدت لتثبط من أي علامات للانفعال، حتى لا تثير الريبة، وانتظرت على جمرٍ متقد فتح ضرتها لها، وما إن ظهرت قبالتها حتى صعدت الدماء الفائرة إلى رأسها، وغزت كل عروقها لتحفزها على قتلها الآن وفي التو؛ لكنها قاومت رغبتها الدموية، واحتفظت بثباتٍ تُحسد عليه، استقبلتها سماح بتعابيرٍ جادة، ونبرة متسائلة في حيرة:
-إنتي مين يا حاجة؟

نظرة دقيقة بطيئة جالت عليها من رأسها لأخمص قدميها؛ وكأنها تقييمها بها، لترى الفارق بينهما، لم تكن بامرأة خارقة الجمال، كانت في مقياسها عادية للغاية، لا ترتقي لإثارة اهتمام الرجال، ومع هذا نجحت تلك اللعوب في استدراج زوجها، وإيقاعه في حبائلها ليتزوج بها، بل ويحتفظ بسر زواجه منها لسنواتٍ طويلة. ضاقت عينا سماح عليها، وسألتها بنفاذِ صبرٍ:
-إنتي تايهة ولا حاجة؟

أجابت حمدية بكذبٍ ملفق، يشوبه هدوء عجيب، مغاير للحقد الشديد المتغلغل فيها:
-أنا أبقى آمنة، أخت سي خليل جوزك...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W