قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الخامس والأربعون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الخامس والأربعون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الخامس والأربعون

(شرُّ الدمعِ ما ليس يُراق)، ترددت تلك الكلمات في رأسها طوال الليل بعد أن قرأتها على إحدى المواقع الالكترونية المهتمة بنشر أبيات الشعر، شعرت فيروزة وكأن هذا البيت الشعري يوصف حالها بشكلٍ أو بآخر، فقلما بكى على ما أصابها أحدهم بصدق، نادرًا ما وجدت تعاطفًا حقيقيًا من قريبٍ يُدعمها، دومًا كانت بمفردها، تسعى بصلابة للظهور بمظهر القوة والثبات، إلى أن تصدعت روحها، وتآكلت تدريجيًا، فأصبحت عاجزة عن الصمود، أوشكت على الانهيار، وكادت تستسلم لظلامٍ استدعته، لولاهم!

المدهش في الأمر أن آخر من استبعدت مؤازرتهم كانوا في الصفوف الأولى في كافة المواقف التي احتاجت فيها لهذا! وقفوا إلى جوارها دون كللٍ أو ملل، دون مذلة أو إشفاق، أرادوها قوية الشكيمة، صلبة الإرادة، غير متخاذلة القوى، وسعوا بشتى الطرق إلى إعادتها لما كانت عليه، وها هي الآن تشحذ طاقتها للنهوض بعد عثراتها القاسية.

بسطت فيروزة كفها من جديد، لتبرز الميدالية الفضية المخبأة بداخلها، حملقت فيها بنظرات طويلة يتخللها الحيرة والتفكير، تنهدت متسائلة مع نفسها:
-ليه بتعمل معايا كده؟
قليله الصادق مس روحها حينما اعترف بنزق أنه اشتاق لنبرتها، أغمضت عينيها، وأطبقت على راحتها محتضنة الميدالية من جديد، وهذا الصوت القوي يستاءل في عقلها:
-اشمعنى أنا؟

ومض في مخيلتها ذكرى اكتشافها لمشابك الرأس ومنديلها الضائع، اعتصرت ذهنها عصرًا محاولة تفسير كيفية اقتنائه لهم، والسؤال الأهم الذي تفتش عن إجابته لماذا يحتفظ بخاصتها في غرفته؟ تجددت مخاوفها من احتمالية ظن زوجته السوء بها آنذاك، ولذا كانت تهاجمها بجنونٍ لكونها تعلم بأن تلك أشيائها، فهناك دليل مادي ملموس يُدينها؛ لكن عاد عقلها ليبرر لها، لماذا تشك بها تحديدًا دونًا عن بقية النساء؟ أليست أشيائها عادية شائعة الانتشار في الأسواق المحلية؟ لما الخوف إذًا؟

توقفت فيروزة عن تفكيرها التحليلي حينما سمعت صرير الباب وهو يفتح بحذرٍ، لازمت الهدوء لتبدو مستغرقة في نومها الزائف، أحست بحركة أقدام خفيفة تدنو من فراشها، ثم شعرت بيدٍ تمسح بحنوٍ على صدغها، أرهفت السمع لصوت والدتها وهي تدعو لها بهمسها الدافئ:
-ربنا يبعد عنك أي شر، ويوقفلك ولاد الحلال.

انحنت عليها لتطبع قبلة صغيرة على جبينها، ثم انسحبت في هدوءٍ كما جاءت، بمجرد غلق الباب فتحت فيروزة عينيها، وأمنت على دعائها قائلة بصوتٍ خفيض للغاية:
-يا رب.

بحركة شبه حذرة، شبَّ على قدميه محاولاً الارتفاع للأعلى قليلاً خلال وقوفه على الكرسي الخشبي المرتفع، ليبلغ المصباح المعلق في السقف، حتى يبدل لَمْبته المعطلة بأخرى تعمل. نجح تميم في تغييرها، وانحنى ليناول والدته غير الصالحة، راقبته ونيسة وهو يقوم بعمله في خفةٍ وإجادة، ثم أخبرته، وعيناها مثبتتان عليه:
-مش كنت خليتها للصبح أحسن؟ ده النهار له عينين
رد بتعابيرٍ جادة، ويداه تعملان على المصباح:.

-ما أنا قاعد فاضي، ماورياش حاجة، والفجر قرب يأذن، هاصليه وأريحلي ساعتين.
دعت له برضا:
-ربنا يصلح حالك يا ابني...
بدت مترددة نوعًا ما وهي تسأله:
-لو وقتك يسمح الأسبوع ده تبقى، توديني عند أختي أطل عليها؟
أدار رأسه في اتجاهه، وخاطبها:
-شوفي امتى يامه، وأنا تحت أمرك.
تهللت أساريرها وهي تزيد من دعائها له:
-ربنا يراضيك يا حبيبي من وسع زي ما إنت مراضي الكل كده.

انضمت إليهما هاجر، وتأملت ما يفعله شقيقها بفضولٍ، ثم تساءلت بمزاحٍ ماكر:
-إنتو لسه سهرانين؟ إيه الفِكر شاغلك؟
خفض تميم من نظراته، وسلطها عليها، فوجدها تبتسم في لؤمٍ، بينما رددت والدتهما مستنكرة:
-أعوذ بالله، هو ناقص حاجة تشغل باله؟
قال بهدوءٍ وهو يهبط عن المقعد:
-أنا زي الفل...
ثم حدج شقيقته بنظرة حادة وهو يتابع:
-بس إنتي عارفة هاجر، بتحب تهزر.
حاصرته بسؤالٍ ماكر:.

-طب إنت سهران ليه؟ أنا معروف عشان أنيم سلطان، إنت بقى بتعمل إيه؟
لم يحبذ تلك الطريقة في استجوابه، لذا بتعابيرٍ غير مسترخية أجابها:
-ولا حاجة، مش جايلي نوم.
غمزت له مكررة عليه نفس كلامها السابق؛ ولكن بابتسامة مستمتعة:
-من الفِكر برضوه ولا حاجة تانية؟
أشار لها بيده نحو باب غرفتها مراوغًا عن منحها ما تريد سماعه:
-شوفي ابنك بيعيط.
في حين وبختها والدتها بضيقٍ:
-مالك ومال أخوكي يا هاجر؟
ردت نافية:.

-ولا حاجة يامه.
أنذرتها ونيسة بلهجةٍ متعصبة:
-ماتزهقيهوش.
ردت بتبرمٍ:
-حاضر، بس صحيح...
بترت باقي جملتها عن عمدٍ حتى تقف أمام شقيقها، وسألته بنظرة ذات مغزى:
-مش ناوي تخلينا نفرح بيك بقى؟ يعني مش هتفضل قاعد كده لوحدك من غير ما حد يونسك.
تفاجأت ونيسة من كلامها، وشعرت بوجود شيء مريب، فتلميحاتها المتوارية مؤخرًا قد زادت عن الحد، رد عليها تميم ببرودٍ:
-لما نفرح بيكي الأول.
علقت بعد تنهيدة سريعة:.

-أنا خدت نصيبي خلاص.
رفع حاجبه للأعلى معقبًا:
-ومين قالك كده؟
أخبرته بغصةٍ طفيفة:
-أنا عارفة نفسي.
استخدم نفس أسلوبها المراوغ في الحوار، وقال وهو يربت على كتفها:
-ربنا كرمه واسع، مش جايز يراضينا سوا؟ حد عارف هيحصل إيه بكرة.
قطبت جبينها في عدم اقتناعٍ، وتثاءبت قائلة:
-الله أعلم، أنا هاخش أنام، تصبحوا على خير.
ابتسم وهو يودعها:
-وإنتي من أهله.
سارت ونيسة خلف ابنتها بتكاسلٍ، ونصحته:.

-خش افرد ضهرك الساعتين دول يا تميم، إنت يا حبة عيني مابترتحش طول اليوم.
أومأ برأسه قائلاً:
-حاضر.
ثم ودعته هي الأخرى ببسمة بشوشة:
-تصبح على خير يا عين أمك.
لوح لها بيده وهو يستدير في اتجاه غرفته:
-وإنتي من أهله يا ست الكل.

أوصد تميم الباب من خلفه، لا شك أن النوم مؤخرًا لن يصبح رفيقه، فطيفها المبتسم كان يجبر إدراكه على التيقظ، أراح جسده على الفراش بعد أن استلقى عليه، ووسد ذراعيه خلف رأسه، ليحدق بشرودٍ في الفراغ؛ كأنما يشاهد شاشة عرض سينمائية، مستحضرًا في ذهنه، وقت تواجدها معه في السيارة، وكأنها ذكرى مهمة، تحتاج لطقوس خاصة، لمعايشة تفاصيلها المشوقة من جديد.

كانت فيروزة تجلس بالخلف، في حالة سكون، تعابيرها مسترخية؛ لكن ملامحها ما زال يغلفها آثار الإعياء، وحينما التقت عيناها التعيستين بنظراته الدافئة، عبر انعكاس المرآة التي ضبطها عليها، شعر بمشاعر صبيانية حماسية تتسلل إلى أعماقه المعتمة، فأنارت دربه، وملأته بالأمل والسعادة. كم تمنى أن يقف الزمن عند تلك اللحظة! أن يغمر قلبها المتعب بمحبة تزيل قساوة الحياة عنها، وعندما باعدت جوهرتيها عنه، لتتقوقع حول نفسها، أحس بحزنٍ يزحف إليه، تنفس بعمقٍ، ثم أكد لنفسه عن يقين كبير قبل أن يطبق على جفنيه لينام، ووجهها يحتل خياله:.

-هانت.

أطلقت زفرة طويلة مرهقة وهي تستدير بعد غلق باب المنزل، لتضع عنها حقيبة كتفها، تكبدت اليوم عناءً مختلفًا؛ الإفراج عن جزءٍ آخر ضئيل من مكنونات صدرها المعبأ بأثقاله وهمومه، خلال جلستها مع الطبيبة النفسية؛ كان في زيارتها المنتظمة لها القليل من الارتياح، ومع هذا لا يزال الطريق شاقًا أمامها حتى يكتمل تعافيها. فرت دمعة حبيسة من عينيها مع استعادة ذكرى انتقاص آسر لأنوثتها، ذلك الجزء المخفي في أعماقها، لم تحبذ أبدًا التطرق إليها، تحاول تجاوز تلك المرحلة من تلقاء نفسها، ورغم ذلك لا تستطيع، فتلك عقبة قاسية تشعرها بالدونية وعدم الاكتمال.

امتدت يدها لتجفف أثرها قبل أن تلحظه والدتها التي جاءت، رفعت فيروزة رأسها في اتجاهها عندما سألتها باهتمامٍ:
-إيه الأخبار؟
حركت شفتيها لترد بإيجازٍ غامض:
-الحمدلله.
سألتها بفضولٍ أكبر وقد لاحظت الصينية المغطاة التي تحملها بيديها:
-الدكتورة دي كويسة معاكي؟
أومأت برأسها قائلة باقتضاب:
-أيوه.
اعتذرت منها آمنة بصدقٍ:.

-والله لولا إن ميعادها جاي مع العلاج الطبيعي بتاع خالك كنت جيت معاكي، بس هاعمل إيه ماينفعش أسيبه لواحده، ولا حتى البت كوكي.
قالت في تفهمٍ:
-مافيش مشكلة يا ماما.
انعكست بسمة صافية على وجه والدتها وهي تضيف:
-بس بسم الله ماشاءالله، عيني باردة عليكي، وشك ابتدى يرد، ويرجع زي الأول.
اكتفت بالإيماء برأسها، في حين هرولت رقية ناحيتها تسألها في صيغة طلبٍ بتعابيرها الطفولية اللطيفة:
-هتلعبي معايا يا فيرو؟

قبل أن تمنحها ردها، اعترضت عليها عمتها معللة تأجيل رغبتها:
-هي لسه جاية من برا وتعبانة، خلينا نتغدى الأول، وبعد كده هتفضالك.
ضمت شفتيها في تذمرٍ، وغمغمت بعبوسٍ:
-ماشي.
نهضت فيروزة من مكانها، وسألت والدتها باستغرابٍ طفيف:
-إنتي مودية الأكل ده فين؟
أجابتها بإشارة من رأسها:
-دول للعمال اللي تبع المعلم بدير.
ضاقت عيناها في شكٍ، ثم سألتها مستوضحة:
-وإيه اللي جايبهم عندنا؟

رمشت آمنة بعينيها في ترددٍ قبل أن تسرد لها التفاصيل:
-ما هو من يوم ما حصل اللي حصل، وهو كتر خيره سايب اتنين عندنا، قاعدين على طول قريب من البيت، يعني عشان ياخدوا بالهم مننا، وأنا كل شوية بشأر عليهم، ووديلهم أكل ومياه واللي فيه النصيب.
ظهر الضيق على قسماتها، وبدا ذلك واضحًا أكثر عندما تكلمت محتجة:
-وليه كل ده؟ مالوش لازمة.
بحذرٍ أخبرتها:
-والله يا بنتي اتكلمت معاه كتير، بس هو مصمم.

كانت فيروزة فاقدة للرغبة في الجدال بعد ما تكبدته من استعادةٍ لمشاهدٍ لطالما استنزفت من قوى صمودها، همَّت بالتحرك نحو غرفتها؛ لكن والدتها استوقفتها بقولها:
-بالحق، الحاجة ونيسة اتصلت بيا، هاتيجي هي والجماعة بالليل عشان يطمنوا عليكي.
التفتت تنظر إليها في عدم رضا، وقالت:
-أنا بقيت أحسن، مكانش في داعي.

رغم معرفتها بعزوف ابنتها عن الالتقاء بأحدهم هذه الأيام، إلا أنها وجدت صعوبة في التهرب من تلك الزيارة، لذا بررت لها من جديد:
-هما ناس بتفهم في الأصول، اتحرجت أقولهم ماتجوش.
أولتها ظهرها وهي تعقب عليها باستسلامٍ ممتعض:
-خلاص يا ماما.
هتفت آمنة من ورائها مضيفة:
-طيب يا حبيبتي، خشي غيري هدومك، واغسلي وشك، عقبال ما أودي الأكل ده عشان ناكل كلنا سوا.
بتلقائية هزت رأسها، واقتضبت قائلة:
-طيب.

في أول الأمر، ضاق بتصرفات شقيقته المكشوفة؛ لكن بعد فترة اعتاد على تلك التلميحات المبطنة، كما لو كانت السبيل لتمهيد الطريق بين قلبين تذوقا الوجه القاسي للحياة. على مائدة الطعام، حيث اجتمعت الأسرة، لتناول الغذاء معًا، وتبادل الحوار عبر المستجد من الأحداث، بادرت هاجر مقترحة وهي تدس ملعقتها المليئة بالأرز في جوفها:
-ما تيجي توصلنا يا تميم لو إنت فاضي.
نظر في اتجاهها متسائلاً بفتور:.

-هو إنتو رايحين فين؟
اتسعت ابتسامتها وهي تخبره:
-عند نسايب السعد!
بنظرته المتشككة فهم ما ترمي إليه، وتحولت تعابيره للاحمرار من الحرج، حاول تجاهل نظراتها الكاشفة لأمره، وادعى انهماكه في تناول ما يملأ صحنه، بينما تساءل الجد سلطان مستفهمًا:
-مين دول؟
استدارت ناحيته، وقالت بنفس الوجه المبتسم:
- فيروزة يا جدي.
هز رأسه قبل أن يرد ليكمل بعدها قضم قطعة الدجاج المطهية:
-سلمولي عليها.
هتفت في مرحٍ:
-من عينيا يا جدي.

سعى تميم لضبط نبرته وهو يسأل شقيقته:
-هي كويسة؟ تعبت تاني ولا إيه؟
ضحكت قبل أن تجيبه:
-ماتتخضش كده، دي زيارة عادية ودية على الماشي.
تعمُدها لإحراجه علنًا، وفي حضرة كامل أسرته، يجعل خنقها أمرًا وجوبيًا؛ لكنه تمالك أعصابه، وعلق ببرود غير مقنع:
-تمام.
أشارت له بحاجبها وهي تسأله بتلك النظرات اللئيمة:
-هاتيجي؟
رد بفمٍ ممتلئ:
-معرفش.
عضت هاجر على شفتها السفلى قبل أن تؤكد له عن ثقة:
-يبقى هتيجي.

بغمغمةٍ لم تفارق شفتاه ردد تميم في نفسه تعقيبًا عليها:
-إنتي مش سهلة على فكرة!
وجهت ونيسة كلامها لزوجها قائلة:
-ها يا حاج، هتيجي معانا؟
رد بدير بعد لحظة من التفكير:
-أه، عايز أطمن عليها بنفسي.
أضافت هاجر قائلة بنفس أسلوبها المازح:
-والله اللي يشوفنا رايحين عند الجماعة يقول ده في خطوبة.
تلك المرة فقد تميم صبره بعد تجاوزها الحدود المسموح بها، فصاح بها بشدةٍ:
-ما كفاية بقى يا هاجر، مش عايزين بواخة.

نظرت إليه بنظرات لائمة قبل أن تسأله:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟
قال نافيًا دون أن تسترخي نبرته أو نظرته الحادة نحوها:
-لأ، بس مابحبش كده.
لاحظ بدير ما يدور بينهما، فأدرك أن ابنته قد تفقه ذهنها لتعلق شقيقها ب فيروزة بشكلٍ أو بآخر؛ فالنساء في مسائل العاطفة خبيرات عن الرجال، وربما كشفت أمره ببديهيتها، لهذا وبحنكة عقلانية أدار الحوار ناحيتها، فاستطرد قائلاً بتعابيرٍ هادئة:.

-طب بما إنك فتحتي السيرة دي في عريس جايلك.
ضحكت عاليًا في سخريةٍ قبل أن تعلق:
-عريس؟ ليا أنا؟ أكيد بتهزروا.
بينما تساءلت ونيسة في دهشة عظيمة شابها القليل من الفرحة المستترة:
-مين ده يا حاج؟ وأنا معرفش إزاي؟
جاوبها بملامح تحولت للجدية:
-هو فاتحني من فترة، وأنا مدتوش كلمة لحد ما أخد رأي هاجر.

ظنت ابنته أنها طُرفة ألقاها أبيها كمقابلٍ لاستفزازها لشقيقها، لم تعتقد غير ذلك إلى أن بدا الأمر جديًا للغاية من طريقة عرضه له، فتساءلت بتعابيرٍ شبه قلقة:
-إنتو بتتكلموا جد ولا إيه؟
جاءته الفرصة على طبقٍ من فضة ليعاملها بالمثل، لذا شارك تميم والده الرأي، وقال:
-أه طبعًا، عريس لُقطة، صح يا جدي؟
التفتت هاجر ناظرة إلى جدها، فوجدته هو الآخر على علمٍ بتلك المسألة، بعد أن ردد في قبولٍ:
-أيوه، ابن حلال وجدع.

اِربد وجهها بالضيق، وأردفت معقبة عليهم:
-مين ده اللي هياخد واحدة زيي، بعد ما آ...
قاطعها بدير قبل أن تتم كلامها مشددًا عليها:
-إياكي تقللي من نفسك يا هاجر، إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت بسبب محرز، هو خلاص راح عند دار الحق، وهناك ربنا هيقتص منه في كل حاجة أجرم فيها.
لمعت عيناها تأثرًا، فأكمل مؤكدًا عليها:.

-وبعدين إنتي بنت بدير سلطان، وولاد عيلة سلطان مايخجلوش من نفسهم طالما معملوش حاجة لا عيب ولا حرام.
خنقت الغصة العالقة في جوفها، وحادثته قائلة بيأسٍ:
-تعيش يابا، بس أنا خدت نصيبي، خليني كده عايشة لابني.
اعترضت ونيسة عليها بضجرٍ:
-وتدفني شبابك بالحيا؟ ليه كده يا بنتي؟
رفضت التفكير في المبدأ برمته، وأصرت على رأيها:
-مش عايزة أعيده تاني.
استطرد تميم قائلاً بتسلية وهو يرمقها بتلك النظرة العابثة:.

-طب مش تعرفي مين الأول، جايز تغيري رأيك يا هاجر، وخصوصًا إنه ماسك فيكي بإيده وأسنانه.
حدجته بنظرة مغتاظة لتشبيهه المحرج، خاصة أنها تجهل هويته، في حين تساءلت ونيسة بفضول:
-صحيح مين ده يا حاج؟
بعد أن بلع ما يملأ جوفه قال، وعيناه ترتكزان على ابنته:
- سراج!
حملقت الأخيرة في وجهه باندهاشٍ مصدوم، غير متوقعة أن يكون هو من تقدم لطلب خطبتها، بعد كل ما صار بين العائلتين من عداءٍ وكراهية.

-نورتونا يا جماعة.
نطقت آمنة بتلك الكلمات المرحبة بضيوفها المتواجدين بحجرة الصالون وهي توزع كؤوس المشروبات الباردة عليهم، لتستقر بعد أن أنهت مهمتها على الأريكة الشاغرة إلى جوار ابنتها، شملتهم بنظرة أخرى لتتأكد من عدم تقصيرها في إكرامهم، وتوقفت عيناها على ونيسة عندما علقت عليها كنوعٍ من المجاملة اللطيفة:
-الله يكرمك يا رب.

بغيرِ استباقٍ تعمد أن يكون متأخرًا في حضوره، ليحظى بفرصة مقابلتها أولاً قبل أن يحول تواجده بالداخل دون تمتع عيناه بتأملها، وقد كان ما تمناه، عندما أتت بطلتها البهية لتفتح له الباب وتدعوه للدخول، فنال شرف رؤياها. دق قلبه بسعادة كبيرة، كاد يشق ضلوعه ليعلن عن حب عذبه طول الانتظار، تنهد متسائلاً في لهفةٍ فشل في مواراتها:
-إنتي بخير؟
أجابته بنظرة لم تكن حزينة:
-الحمدلله.
حمحم قائلاً في حرجٍ:.

-معلش عاملين إزعاج ليكو.
جاملته بوجهٍ ابتسم قليلاً:
-متقولش كده.
اتجهت أنظار الاثنين إلى الصغيرة رقية عندما أقبلت ركضًا وهي تنادي:
-عمو.
فتحت ذراعيها كأنما تريده أن يرفعها عن الأرضية، فحملها تميم على ذراعه، وسألها بحنوٍ:
-إزيك يا حلوة؟
أجابته بمرحٍ:
-كويسة.
طبع قبلة صغيرة على وجنتها، فسألته ببراءة كانت السبب في إحراجه بشدة:
-دي أديها ل فيرو؟ ولا بتاعتي؟

تلون وجه فيروزة بحمرة خجلة لعفويتها، واحتدت نظراتها نحو الصغيرة قبل أن تنهرها:
- كوكي!
تفاجأ تميم بتلقائيتها النزقة، تلك التي جعلته يرى للمرة الأولى بشرتها تتخضب بلونٍ أضفى على الجمال جمالاً، حاول المناص من إجابتها بردٍ محايد:
-آ، براحتك.
ثم أنزل الصغيرة على قدميها، فقالت في عبوسٍ معاند:
-مش هديهالك يا فيرو.
ثم ركضت للداخل، بينما تنحنح تميم مضيفًا وهو يضبط ياقتي قميصه الرمادي:.

-احم، هو الجو بقى حر ليه كده فجأة؟ أنا أخش جوا أحسن.

وأسرع في خطاه لينضم للبقية، مقاومًا ابتسامته المبتهجة التي احتلت ثغره، وحدسه ينبؤه أنها ما زالت تخجل مما حدث رغم كونه عفويًا. افترت شفتا فيروزة عن ابتسامة ناعمة، غير متكلفة، لوهلةٍ تبادر إلى ذهنها صدامها الحاد معه، بالقرب من مطبخ منزلها، حينما أوشكت على صفعه للمرة الثانية، ومع هذا لم يعاملها بالمثل؛ كان أكثر انضباطًا وتحكمًا في ردة فعله، تلاشت الذكرى كما استحضرتها سريعًا مع فارق أنها أخجلتها من نفسها، وتركت فيها شيئًا من الندم، والارتباك.

سحبت الهواء بعمقٍ إلى رئتيها لتستعيد هدوئها، ثم لفظته ككتلة واحدة، وتحركت للداخل، لتجلس في المقعد الوحيد الشاغر بالغرفة، كأن شيئًا لم يكن. وجه بدير حديثه إلى فيروزة متسائلاً بنبرة مهتمة:
-عاملة إيه يا بنتي؟
نظرت في اتجاهه، وأجابته:
-الحمدلله.
رد مؤمنًا عليها في حبورٍ:
-يستاهل الحمد، دايمًا يا رب.
استطردت هاجر قائلة بحماسٍ:.

-إنتي عارفة يا فيروزة أنا بقيت أحبك زي أختي والله، مش قادرة أقولك إنك دخلتي قلبي من جوا..
ثم نظرت بطرف عينها إلى شقيقها، وتابعت:
-حتى اسألي تميم، طول اليوم في سيرتك معاه.
شرق الأخير مصدومًا من صراحتها غير الموضوعة في الحسبان، وسعل في حرجٍ، ليعتذر بعدها:
-لا مؤاخذة.
اختلس نظرة سريعة نحو فيروزة المحدقة به عن قصدٍ، قبل أن تحيد بعينيها عنه لترد متسائلة في لطفٍ:
-بالحلو ولا الوحش؟
ضحكت وهي تجيبها:.

-الحلو كله طبعًا، إنتي ماتعرفيش معزتك عندنا كلنا عاملة إزاي.
عادت لتنظر إلى تميم بنظرةٍ خاطفة كادت ترديه قتيل عشقها، بل إنها زادت من أوج الشوق للظفر بحبها، وضاعفت من رصيد اللهفة إلى البقاء في أحضانها، خاصة عندما عبرت لها بإشراقةٍ لم ترَ العين في جمالها:
-يا رب أفضل كده، دايمًا...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)