قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الثالث والأربعون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الثالث والأربعون

رواية الطاووس الأبيض الجزء الثالث بقلم منال سالم الفصل الثالث والأربعون

رغمًا عنها تركت توأمتها مضطرة، دون أن تنتظر حتى مجيء والدتها للمكوث معها، وعادت على الفور إلى منزلها، عقب تلقيها لمكالمة زوجها المريبة، دق قلبها خوفًا عليه، فصوته لم يكن مُبشرًا بالخير، وصدق حدسها حينما رأت ملامحه الحزينة العابسة في غرفة نومهما. دنت همسة منه، وألقت نظرة أكثر دقة عليه، كان شاردًا، متهدل الكتفين، هتفت متسائلة في توترٍ:
-مالك يا حبيبي؟ قلقتني لما قولتلي أرجع البيت، فيك حاجة؟

رفع هيثم عينيه الحمراوتين إليها، ولم يجبها، زاد قلقها ناحيته، بلعت ريقها، وجلست على طرف الفراش إلى جواره متابعة تخمينها:
-إنت شكلك كمان متغير أوي.
دون مقدماتٍ مال عليها طامعًا في احتوائها له وهو يخبرها:
-تعبان أوي يا همسة، خديني في حضنك.
لم تتردد في ضمه إلى صدرها، مسحت بحنوٍ على ظهره، حاولت أن تسيطر على مخاوفها المنتشرة في عقلها، وسألته بصوتٍ شبه مهتز:
-حصل إيه؟ طمني.

انفجر باكيًا في أحضانها، وألقى برأسه على كتفها مما أوغر صدرها أكثر، استمرت همسة في المسح على رأسه وظهره بعاطفةٍ حانية، ورجته قائلة:
-طب إهدى، مافيش حاجة إن شاء الله.
ارتفعت نهنهات بكائه، فواصلت التأكيد عليه بقلبٍ واجل:
-كله هيعدي، متقلقش يا حبيبي.
استمر كلاهما على تلك الوضعية لما يزيد عن الدقيقة، و همسة لم تضغط عليه للخروج منه بمعلومة مفيدة تشبع فضولها الحائر، بل على العكس أفصحت له بإصرارٍ:.

-أنا هبات هنا النهاردة معاك، هكلم ماما وأعرفها بكده عشان تفضل مع فيروزة، مش هاسيبك في الحالة دي.
كفكف هيثم عبراته، وتراجع عن زوجته ليستلقي على الفراش قائلاً بصوته المنتحب:
-أنا عايز أنام.
نهض من مكانها، وسحبت الغطاء عليه لتدثره وهي ما تزال تحنو عليه قائلة:
-طيب، افرد ضهرك.

ظلت واقفة للحظات تراقبه في صمتٍ، ولم تكف عن تمسيد رأسه براحة يدها إلى أن غرق في سباتٍ مريب، أبعدت عينيها عنه متسائلة مع نفسها بتوجسٍ:
-إيه اللي حصلك بس يا هيثم؟

الظهور في وضح النهار لم يكن محبذًا له، لكون آثار الندوب المحفورة على وجهه بائنة كقرص الشمس في كبد السماء، لذا آثر التجول في بلدته قبيل المساء، محاولاً نشر شائعة تعرضه لمحاولة سرقة عن عمد كادت تودي بحياته، لولا العناية الإلهية. آمل فضل أن تنطلي أكاذيبه على السذج، وتلعب الألسنة دورها في تضخيم الأحداث، ليغدو بطلاً مغوارًا في أعين الجميع؛ وإن كان بالكذب.

لوح بيده مرحبًا بأحدهم وهو يطئ بقدميه المقهى الشعبي المتواجد على أطراف البلدة، اتجه نحو المصطبة الخشبية الموجودة عند أحد أركانه، حيث اعتاد الجلوس عليها، واتخذ مكانه بها، ثم نادى على أحد الفتيان ليأتي له بالنارجيلة ومعها قطع الفحم ليزيد من وهج الدخان وهو يملأ به رئتيه، جلس أمامه أحد معارفه، واستطرد حديثه معه قائلاً:
-بقالك كتير ماجتش القهوة يا فضل.
أجابه بإباءٍ سخيف، وهو يطرد الدخان في الهواء:.

-مشاغل.
مال الرجل بجذعه للأمام ليسأله في تطفلٍ، وعيناه مثبتتان عليه:
-صحيح اللي سمعناه، في جماعة طلعوا عليك بهدلوك؟
استرخى في جلسته، ورفع ساقه للأعلى، ليخبره بزهو مبالغ فيه:
-دول حرامية ولاد (، )، زي ما تقول كانوا حاطين عينهم عليا، خادوني غدر بعد ما استلمت فلوس الاتفاق على الزرعة الجديدة.
قال الرجل في أسفٍ:
-البلد معدتش فيها أمان.

أيده مومئًا برأسه وهو يسحب نفسًا عميقًا، فأضاف آخر معلقًا عليه وهو يتفحص ندوبه الغائرة قبل أن يجلس على يساره:
-بس دول جوم عليك جامد.
غامت تعابيره وهو يرد بقليلٍ من العصبية:
-هو أنا سكتلهم؟ ده أنا طحنت فيهم لحد ما اتكاتروا عليا، وإنتو عارفين الكترة تغلب الشجاعة.
اتفق معه الرجل الأول قائلاً:
-إيوه صح.
نطق الآخر قائلاً بما بدا له شماتة:
-بس وشك اتبهدل خالص، العلامات اللي فيه مش هاتروح.

رغم استيائه من طريقته اللزجة إلا أنه رد ببرودٍ:
-هعمل إيه بقى، الحمدلله إني لسه عايش، كنت هاسيب أبويا وأمي لمين؟
هتف الأول منهيًا هذا الحوار:
-فضنا من السيرة دي، وخلونا نشرب شاي في الخمسينة.
نادى الرجل على عامل المقهى ليأتي له بثلاثة أكوابٍ من الشاي، والتفت يسأل فضل بتطفلٍ غير مقبول:
-ألا صحيح موضوع جماعتك ده بجد؟
تحفز الأخير في جلسته متسائلاً بعدم فهمٍ:
-جماعتي مين؟
أجابه بإشارة ضمنية من عينه:.

-أم عيالك يا جدع.
اكفهرت تعابير فضل بشدة، والرجل يختتم جملته:
-ده الناس بيقولوا هتتجوز قريب.
هتف في حقدٍ مضاعف:
-الولية الفقر دي؟ إياكش تغور في 60 داهية، ده أنا ربنا بيحبني ونجدني منها.
استرعى فضولهم بافترائه الباطل، فبادر أحدهم متسائلاً:
-يا ساتر، ليه كده؟
استدار برأسه ناحيته، وأجابه مسترسلاً في الكذب:.

-دي ولية ماتعرفش ريحة النضافة، غلبت معاها بالحُسنى والكلمة الطيبة، مافيش، يا ستي يهديكي يرضيكي أبدًا، ده غير لسانها الزفر، أعوذُ بالله.
احتج الرجل على لسانه السليط، وقال متنحنحًا:
-لأ متقولش كده، مهما كان دي أم عيالك وآ...
قاطعه بتشنجٍ:
-خلوني مكتوم وساكت، وربنا ده اللي هياخدها ما هيطقها دقيقة.
لامه الرجل الآخر في تبرمٍ:
-عيب يا جدع.
غمغم فضل قائلاً بسخط:
-اللي مايعرفش يقول عدس.

واستمر على تلك الحالة يلقي بالتهم جزافًا على زوجته إلى أن ضجر أحد الجالسين على مقربة منه مما يقول، ثارت حمئته، وانتفض يوبخه بتعصبٍ:
-إيه يا عم فضل؟ مايصحش اللي بتقوله ده، ده إنت بتخوض في الأعراض.
زجره في برودٍ:
-ملكش دعوة.
هدر الرجل به مهددًا بتشنجٍ أكبر وهو يلوح بذراعه:
-لأ ليا، ولو غلطت هنضارب فيها.

رمقه فضل بنظراتٍ شمولية كانت مستخفة في البداية، وبحسبة عقلية أدرك أن فارق القوى الجسمانية لصالح هذا الرجل، فأشاح بوجهه بعيدًا عنه، وقال بفمٍ ملتوٍ في امتعاضٍ:
-روح الله يسهلك، مش ناقصة غباء.
توعده الرجل بنديةٍ واضحة:
-ماشي، ماترجعش تزعل من اللي هيحصل فيك.

ثم قذف بقدمه الكرسي الخشبي ليرتد على الأرضية في ارتطامٍ عنيف جعل الأنظار كلها تتجه إليهما، قبل أن يترك المقهى ويغادره، تبادل بعدها فضل نظرات حذره مع رفيقيه، وقال وهو يضع خرطوم النرجيلة في فمه:
-واحد فاضي، أنا عارف محموء على إيه، دي فردة قديمة قلعتها من رجلي.
شجعه الرجل الأول على مواصلة الحديث عن طليقته قائلاً بخبث:
-سيبك منه، وكمل.

لم يعبأ بالتهديد الذي تلقاه، واستمر في تلفيق حكاياته الكاذبة عنها، كأنما ينفس عن غيظه منها بهذا الأسلوب المتواضع والدنيء.

وقفت مرتكنة بظهرها على الحافة الخشبية وهي تكتف ساعديها معًا لبعض الوقت تراقب شقيقها في هدوءٍ، وتلك الابتسامة اللطيفة على محياها، تطلع تميم عبر شرفته للفضاء الفسيح أمامه، لم يشعر بوجود هاجر حوله، بدا لها وكأنه يسرح في ملكوت خاص به، توقعت أن تكون (هي) سبب شروده، بالرغم من عدم مشاركته لها عن مكنونات صدره تجاه إحداهن؛ لكن كأنثى أنبئها حدسها بهذا، حمحمت بصوت مرتفع لتخرجه من عالمه الخيالي، فانتصب في وقفته، واستدار ناظرًا إليها. خطت نحوه مقترحة عليه بوجهٍ مبتسم:.

-أعملك حاجة ياخويا تشربها؟
رد نافيًا بتهذيب وهو يرفع كوب شايه الفارغ:
-لأ، كله تمام.
وقفت إلى جواره، واستندت بمرفقيها على الحافة الحديدية قائلة له بغموضٍ:
-طب بأقولك إيه، كنت عايزة أروح معاك في مشوار كده.
ركز بصره عليها متسائلاً بنبرة مهتمة:
-مشوار إيه ده؟
بادلته نظرة طويلة ذات مغزى قبل أن تخبره ببسمة ماكرة:
-عايزة أزور فيروزة.

لم تتوقع ردة فعله عندما تبدلت ملامحه المسترخية للتوتر والخوف، بل وملاحقته لها بأسئلته المذعورة:
-ليه؟ حصلها حاجة وحشة؟ أمها اتصلت وعرفتكم بده؟ هي مش كانت كويسة؟
قطبت جبينها في دهشة، فصاح بصبرٍ نافذ:
-ما تكلمي يا هاجر.
حافظت على نعومة بسمتها وهي ترد:
-لأ، هي بخير.
تنفس الصعداء، ولفظ الهواء بصوتٍ مسموع، فتابعت قائلة بعبثيةٍ:
-متقلقش أوي كده يا سيد المعلمين.

مرر يده على رأسه، ووضعها خلف مؤخرة عنقه مبررًا لهفته بتلعثمٍ مكشوف:
-ده، أنا آ...
هتفت ضاحكة في استمتاعٍ:
-خلاص يا خويا، دي كل الحكاية إني كنت عايزة أشوفها شوية، وأقعد معاها، يعني تحس إن في حد بيسأل عنها.
رؤياها تعني نقل جوارحه إلى أسمى مناطق العشق، كما لو كان كاهنًا يتعبد بصلوات إخلاصه في محراب جمالها الآخاذ، هز رأسه بإيماءاتٍ صغيرة متعاقبة، فسألته بعينين لئيمتين:
-ها قولت إيه؟

حاول أن يبدو جامد التعبيرات وهو يرد:
-ماشي، شوفي إنتي عايزة تروحي إمتى.
بقيت أنظارها عليه مبدية تمتعها برؤية تخبطه اللذيذ قبل أن تمنحه جوابها:
-على بكرة بأمر الله.
خفق ما كان ساكنًا بنبضاتٍ واثبة، ترجو بتلهفٍ راغب، انقضاء ساعات الليل في لمح البصر، ليجمعه بها لقاء جديد لطالما انتظر حدوثه. تنحنح تميم قائلاً بلهجةٍ ظهرت غير جادة:
-طيب.
ربتت هاجر على جانب ذراعه تشجعه بغمزة من طرفها:
-فضي نفسك بقى.

أدار رأسه مجددًا ناحيتها، وبادلها ابتسامة متحمسة لم يقاوم إخفائها على شفتيه، ثم قال:
-حاضر.
انصرفت شقيقته من الشرفة، وبقي في أوج ترقبه، لخفقةٍ بعينها، لا تصيب القلب إلا في وجودها!

ضبطت من وضعية الملاءة، وجذبت أطرافها لتصبح متساوية عند الجانبين وهي تطلع توأمتها على تبعات زيارة زوجها لوالدته في المشفى النفسي، لم تكن ملمة بعد بالتفاصيل الدقيقة؛ لكنها توقعت أن حالة الاستياء العظيمة التي نالت منه تعود للقائه بها. تنهدت همسة قائلة بنهجانٍ خفيف:
-الحمدلله إنها جت على أد كده، بس صعبان عليا أوي، مش ملاحق المصايب اللي فوق دماغه.

جلست على المقعد مريحة ظهرها، وأضافت وهي تمسح حبات العرق عن جبينها:
-ربنا يعدل حالنا جميعًا.
أصابها النشاط فجأة وهي تستطرد:
-صحيح أما في خبر بمليون جنية لازمًا تعرفيه.
نظرت إليها فيروزة في عدم اكتراثٍ؛ لكن توأمتها نهضت من مكانها لتجلس على طرف الفراش، وأخبرتها بنوعٍ من التشفي:
-المفترية مرات خالك، اتحول ورق قضيتها للمفتي، لسه عارفة بالخبر ده، يعني طازة.

وعلى غير المعتاد راق ما سمعته لها، وانعكس هذا في بسمة باهتة زحفت إلى شفتيها. تكلمت شقيقتها قائلة:
-إن شاءالله تاخد جزائها، وربنا يعين ماما على تربية رقية، ما هو أكيد خالنا مش هايقدر على كده لوحده.
لوهلة كسا الحزن وجه همسة، وبدا مقروءًا في عينيها كذلك عندما قالت برجاءٍ:
-نفسي أوي يا فيرو تردي عليا زي زمان، مفتقدة كلامك معايا جدًا.

استعدادها لمشاركة غيرها الحوار كان وشيكًا؛ لكنها ما زالت تفتقد ما يستحثها على تنفيذ هذا، منحت فيروزة توأمتها ابتسامة متفهمة، فبرزت أسنانها جراء بسمتها العريضة والمسرورة لتجاوبها البسيط معها، تلقائيًا قامت من مكانها لتحتضنها وهي تخبرها:
-ربنا يخليكي ليا.

بتوترٍ لا يمكن إنكاره فرك تميم كفي يده معًا، محاولاً كبح التخبط المستبد بكيانه الآن، وهو يتجاوز الردهة الطويلة متجهًا إلى حجرتها بالمشفى، لم يكن من المنطقي أن يكون على تلك الحالة الغريبة، وهو من يهاب غضبته أشد الرجال خشونة! بدا ما يجابهه ملحوظًا لشقيقته، فسألته في استغرابٍ:
-مالك قلقان كده ليه؟
قال على عجالةٍ:
-أنا عادي على فكرة.
قبضت هاجر على ذراعه، وضغطت بيدها برفقٍ عليه وهي تؤكد عليه بلطفٍ:.

-دي زيارة يا تميم.
بنفس الملامح المرتبكة علق عليها:
-أيوه، مظبوط.
وصل الاثنان عند باب غرفتها، وهناك تصاعدت دقات قلبه كقرع طبول الحرب، رعشة متحمسة سيطرت عليه، تنفس بعمقٍ لعدة مرات ليضبط من انفعاله، التفت ناحية شقيقته يسألها وهو يعدل من ياقتي قميصه الأزرق الجديد:
-شكلي كويس؟
أجابت بابتسامة ماكرة:
-عريس.
حذرها بتوترٍ:
- هاجر!
كتمت ضحكتها قائلة بجدية زائفة:
-حاضر يا خويا، يالا بينا.

لم تمنحه فرصة للاستعداد لهذا اللقاء المشوق، حيث دقت على الباب مستأذنة بالدخول، فتضاعف حماسه كثيرًا، سبقته في خطواتها مُلقية بالتحية:
-السلام عليكم.
ردت عليها همسة بترحابٍ:
-وعليكم السلام، يا أهلاً وسهلاً، في ميعادكم مظبوط.
أردفت هاجر متسائلة بشكلٍ روتيني:
-إزيك يا همسة؟ عاملة إيه؟
أجابتها بعد زفيرٍ متعب:
-الحمدلله في نعمة.
تجاوزتها لتقف أمام فراش شقيقتها، وسألتها بوجهها البشوش:.

-أخبارك إيه يا فيروزة؟ أنا جاية مع أخويا عشان نشوفك النهاردة ونطمن عليكي.
مع كلماتها الأخيرة استدارت برأسها نصف استدارة لتشير إلى وجوده خلفها، فضاقت عينا فيروزة ناحيتها باندهاشٍ، على ما يبدو لم تكن على علمٍ بمجيئه مسبقًا، أو ربما أخبرتها توأمتها خلال شرودها المتكرر بهذا ولم تنتبه لها. انتشلتها من تفكيرها التخميني قول هاجر المتفائل:.

-بس بسم الله ما شاء الله، وشك منور، لأ ولسه، لما ترجعي بيتك، هتبقي أحسن.
في الخلف سعى تميم لمقاومة مشاعره المعاتبة لعدم جراءته على اتخاذ أي خطوة واللحاق بشقيقته، حيث تجمد في مكانه، والتردد متمكن منه، انتاب عقله هاجسًا مخيفًا من احتمالية رفضها لتواجده، فتراجع في رهبةٍ، والشحوب يزحف على بشرته، كور قبضته مخاطبًا نفسه:
-إنتي أكتر حاجة اتمنيت تحصلي، وخايف أكون خسرتك، وأنا ماليش ذنب غير إني حبيتك وبس.

نداء هاجر له جعل جسده ينتفض، فانحلت عقدة قدميه، وانزلق سائرًا للداخل، ليجد بهاءً فطريًا ما زال بانتظاره. قابلت عيناه الدافئتين وجهها الهادئ، فانطلقت شرارات الحب في حدقتيه لتغدو أكثر عمقًا وحبًا، تقدم دون ترددٍ من فراشها، فالروح اشتاقت لساكنها. وقف تميم أمامها محدقًا بها بنظرات مطولة، تاركًا للغته غير المنطوقة الفرصة للبوح بما يمتنع اللسان عن النطق به حاليًا.

شهدت هاجر بأم عينيها ما لم تكن لتصدقه عنه، شقيقها يعشق بحق! لمعت نظراتها بفرحةٍ لفرحته، وطلبت منه بجدية:
-حط الشنطة عندك يا تميم.
قال بارتباكٍ:
-طيب.
ثم أسند ما ابتاعه من عصائر وحلوى على المنضدة المجاورة للفراش، حاولت هاجر من تلقاء نفسها خلق فرصة طيبة لشقيقها للانفراد بمعشوقته دون مقاطعة، فاستدارت نحو همسة تسألها:
-بالحق يا همسة، هو إنتي كنتي خدتي حقنة التيتانوس؟
أجابت الأخيرة نافية:
-لأ لسه.

سألتها من جديد باهتمامٍ مفتعل:
-دكتورك قال إمتى؟
حكت همسة جبينها قائلة:
-مسألتوش.
جذبتها هاجر من ذراعها برفقٍ نحو النافذة وهي تخبرها:
-طب تعالي أما أقولك شوية نصايح على جمبك عشان تفيدك الفترة الجاية.
تحمست لاقتراحها، فقالت مرحبة وهي تسير معها:
-يا ريت.

كان ممتنًا بشدة لما حدث؛ وإن كان يشك في نوايا شقيقته؛ لكنها أعطته مساحة من الخصوصية. جلس تميم على المقعد، ليبدو في مستوى نظرها، بلع ريقه الجاف في حلقه، واستطرد يسألها بصوتٍ خافت:
-إيه أخبارك؟
ابتسم متابعًا بنفس النبرة الخفيضة، وهو يشير بنظراته نحو هاجر:
-أختي رغاية حبتين، بس طيبة والله، ومابتشلش في نفسها.

أطل شغف متعاظم من عينيه وهو يتطلع إليها عن قربٍ، بدت بهية رغم تعبها، مثيرة للحب رغم جمودها، شاع المرح في قسماته وهو يتنحنح مرددًا بربكةٍ حرجة:
-احم، جدي كان قالي إنه جه زارك، هو أصله بيحبك أوي...
تحاشي النظر إليها وهو يتم باقي كلامه:
-الصراحة كل العيلة عندي بتحبك وبتعزك جدًا.

لم يطمع في أكثر من هذا؛ لكن ابتسم الحظ له، وبسطت فيروزة كفها المحتضن لميداليته، فاتسعت عيناه مذهولاً، وتضاعفت دهشته مع همسها المقتضب:
-ليه؟
باغتته بسؤالها، فقد كان يعلم جيدًا أنها عازفة عن الكلام بإرادتها، أحس بخفقةٍ تعصف بصدره، بقلبه يقاتل للتحرر من ضلوعه، وبغزو الأدرينالين المتحمس لكامل عروقه. ظلت نظراتها الحائرة مسلطة عليه، ازدرد ريقه، وعمق من نظرته ناحيتها وهو يجيبها بنبرة ما زالت خافتة:.

-عشانه شبهك...
رفعت حاجبها للأعلى في اهتمامٍ، فأسبل عينيه مكملاً بتنهيدة، وتلك البسمة النضرة تزين ثغره:
-ده غير إنه، بيفكرني بحد شجاع أوي، زمان رمى نفسه في النار عشان ينقذ غيره، رغم إنه مكانش يربطه بيه حاجة.
ودَّ لو احتضن كفها في تلك اللحظة، وأطبق على أناملها المحتوية لهديته، لتشعر بصدق وعده وهو يخبرها:
-أنا عايزك متخافيش، أنا جمبك، ولو وقعتي اتسندي عليا..

تدارك سريعًا زلة لسانه –المقصودة تلك المرة- مصححًا:
-يعني علينا كلنا عشان تقفي، احنا أمانك وضهرك، احنا موجودين عشانك.
للمرة الأولى، بعد معاناتها الأليمة، منحته شفتاها بسمة صغيرة سرعان ما سحبتها بعد ثوانٍ؛ لكنها جعلته ينطلق ويحلق في الأفق الفسيح من شدة فرحته، اتسعت ابتسامته حتى برزت نواجذه، وسألها مازحًا وهو يقفز من على المقعد بسعادة مثيرة للشكوك:
-تاخدي عصير؟

أخرج من الكيس البلاستيكي علبة كرتونية، ناولها إياها وهو يقول:
-ده تفاح...
لم ترفضها منه، فأصبح أكثر حماسًا بالتطور المشوق الذي أحرزته، جلس مجددًا وردد بمزاحٍ:
-صحيح مش زي الفاخر اللي يستاهلك، بس أهوو حاجة حلوة تبلي بيها ريقك.
انطلقت طاقة فياضة من المشاعر الصادقة في تلك اللحظة، عجز عن كبحها، أو حتى إعادتها إلى مهدها، ولسانه يتحرك ليعترف لها دون احترازٍ:
-صوتك وحشني...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)