قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول للكاتبة منال سالم الفصل السابع عشر

رواية الطاووس الأبيض للكاتبة منال سالم الجزء الأول

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول للكاتبة منال سالم الفصل السابع عشر

سحبه من ذراعه برفقٍ ليوجهه عبر الردهة الطويلة الضيقة حتى ينزويا عند أحد الأركان وبعيدًا عن الجلبة الروتينية الدائرة من حولهما بسبب طبيعة العمل في القسم الشرطي، بدا "وجدي" حائرًا في كيفية مفاتحة "ماهر" في الأمر، لكن لا مناص من ذلك! وبتعابيره الجادة ونظراته الغائمة نسبيًا استطرد يشرح له بإيجازٍ عما دار خلال لقائه مع المأمور، وكيف ألزمه الأخير بحل النزاع القائم بين "فيروزة" و"تميم" وديًّا حتى لا تتخذ الأمور منحنًا آخرًا، استطرد يؤكد عليه:
-إنت ليك كلام معاها، حاول تقنعها.

هتف بعد صمتٍ قليل:
-هحاول، لكن موعدكش بحاجة.
استرسل مضيفًا بنفس نبرته العميقة الثابتة موضحًا خطورة وجدية المسألة:
-يا "ماهر" بيه إنت عارف إني مقدرش اتأخر عنك في حاجة، بس الموضوع ده بالذات طلع فوق قدراتي، والمأمور بنفسه متابعه، وأنا مش عاوزلها الأذى.
حملق فيه في صمتٍ فتابع موضحًا:
-مش هايسبوها لو ركبت دماغها وعاندت، هايطلعوها الغلطانة في الآخر، إما إن في مشكلة في تصاريح الصحة، أو السجل الضريبي، وحاجات شبه كده
قال معقبًا عليه:
-مفهوم.

وبنبرة ذات مغزى أكمل:
-وزي ما سيادتك عارف، اللي مالوش ضهر في البلد دي بيحصله إيه!
لم يكن بحاجة للمزيد من التفسيرات ليفهم ما الذي يرمي إليه، قضية "فيروزة" خاسرة من قبل أن تبدأ، ظل يدير الأمر في رأسه من أجل إيجاد الوسيلة المناسبة لإقناعها بالعدول عن رأيها والقبول بالتنازل. أشعل "وجدي" سيجارة جديدة، سحب دخانها بقوة، ثم لفظه وهو يقول ببسمة بدت متكلفة:
-وأنا تحت أمرك في أي حاجة تانية.

رد مجاملاً وهو يشير له في خفةٍ بعينيه:
-شكرًا يا "وجدي" بيه، أنا تاعبك معايا.
بادله ابتسامة فاترة، وتابع تدخين سيجارته، تنحنح "ماهر" متسائلاً من جديد:
-طب افرض هي رفضت، هتعمل إيه؟
أجابه بعد تفكيرٍ متأنٍ:
-أقصى حاجة ممكن أعملها إني أأجل تقديم البلاغ للنيابة لحد ما تتنازل.
-وده ينفع؟
رد مؤكدًا عن ثقة:
-الموضوع في إيدينا، بس المهم هي.
أشعره ذلك بقليلٍ من الارتياحٍ، وقال له:
-أنا هاعمل اللي عليا معاها.

استجمعت جأشها قليلاً واستعادت شجاعتها التي فقدتها في البداية رهبةً من الموقف، كانت حيرتها تزعجها، فقررت أن تستغل فرصة انفرادها بنفسها في غرفة المكتب لتهاتف أختها حتى تتقصى منها عن طبيعة الأجواء في المنزل، خاصة بعد عودة "همسة" بمفردها، عبثت "فيروزة" بلزمةٍ لا إرادية بشعرها وهي تسألها بصوتٍ خفيض:
-كله تمام عندك؟

أجابتها بنبرة عبرت عن قلقها:
-هي ماما بتسأل عليكي، وأنا مش عارفة أقولها إيه، وبصراحة خوفت أحكيلها و...
قاطعتها محذرة:
-لأ استني لما أرجع عشان ماتتخضش وتقلب الدنيا، والحكاية مش ناقصة.
سألتها "همسة" بنفس الصوت الخافت:
-طب هاقولها إيه؟ ولا هاتصرف إزاي؟
-ثواني كده.

سكتت قليلاً لتفكر في حجة مقنعة، طرأ ببالها فكرة ساذجة، لكنها كافية للانطلاع على والدتها مؤقتًا، هتفت فجأة وبجديةٍ غطت ملامحها:
-قوليلها في مشوار تبع "علا" صاحبتي، ومش هتأخر، هي عارفاها وبتثق فيها
سألتها بحذرٍ:
-ماشي، وإيه الأخبار معاكي؟
أجابتها بابتسامةٍ مطمئنة:
-لحد دلوقتي كل حاجة ماشية تمام، "ماهر" بيه عامل معايا الواجب وزيادة، ومش بعيد تلاقيهم قبضوا على الحيوان ده، وحابسينه.
سألتها في جزعٍ:
-هو إنتي شوفتيه تاني؟

ردت نافية:
-لأ، بس طبيعي يقبضوا عليه بعد البلاغ اللي قدمته فيه..
ما لبث أن اتسعت ابتسامتها الساخرة وهي تضيف:
-ده مش بعيد يكونوا بيعلقوه دلوقتي.
قالت لها "همسة" بتوجسٍ:
-أنا خايفة عليكي يا "فيروزة"، حاسة إن الموضوع ده نهايته مش خير أبدًا!

انزعجت من خوفها الزائد، وهتفت في حدةٍ بعد أن تقلصت تعابيرها بشكلٍ ملحوظ:
-ما هو كله حصل على إيديك، هو اللي ابتدى من الأول، وحاربني في أكل عيشي، وكل اللي بأعمله معاه إني بأخد حقي منه.
استطاعت أن تسمع صوت تنهيدتها وهي تقول لها:
-ربنا يستر، وتعدي على خير.

شعرت "فيروزة" بجلبة تصدر من الخارج وتزداد حدتها، فوضعت يدها على فمها لتغطيه وهي تنهي المكالمة مع أختها:
-الظاهر في حد جاي يا "همسة"، هاكلمك بعدين.
لم تنتظر الرد منها، وأنهت معها المكالمة لترفع بعدها رأسها للأعلى وتحدق في "ماهر" الذي عاد بمفرده للمكتب، بدت تعابيره غير مقروءة، لكن نظراته الغريبة التي تتجنب التطلع إليها توحي بشيءٍ ما، جلس قبالتها مستقيمًا، ثم سألها بصوته الرخيم الجاد:
-كلمتيهم في البيت عندك تطمينهم؟

أجابته وهي تهز رأسها بالإيجاب:
-أيوه..
ثم تملقته قائلة:
-وكلهم بيشكروا سعادتك على تعبك معايا ووقوفك جمبي.
اكتفى بإيماءة خفيفة من رأسه لها، شعرت "فيروزة" أنه يريد إخبارها بشيء، لكنه متردد، فبادرت متسائلة:
-هما مسكوا البلطجي ده؟
جاوبها بزفيرٍ بطيءٍ:
-أيوه.

ارتسمت ابتسامة ارتياحٍ على محياها وهي تعلق عليه:
-طب الحمد لله، أهوو هياخد جزائه!
استغرق "ماهر" في صمته المريب ليشعرها بالمزيد من الاسترابة والشك في أمره، تفرست في وجهه الغريب متسائلة بنظراتٍ متوترة:
-هو في حاجة حصلت وحضرتك مش عاوز تقولي عليها؟

تخلى عن جلسته المنتصبة ليميل نحوها وهو يقول دون مراوغة:
-"فيروزة"، إنتي لازم تتنازلي عن المحضر!
تطلعت إليه في اندهاشٍ عظيم وبفمٍ مفتوح وهي تكاد لا تصدق ما نطق به للتو، بلعت ريقها ورددت في استنكارٍ ظهرت علاماته على قسماتها:
-حضرتك بتقول إيه؟!

سرد لها بأسلوبه الهادئ والعقلاني الأبعاد القانونية لما سيحدث لاحقًا إن أصرت على تصعيد مشكلتها مع "تميم" الذي ظهر الجانب الآخر القوي لعائلته، والتي لن تتوانى عن استغلال أي ثغرات لقلب الطاولة على رأسها، لم تصغِ لكلمة واحدة مما قالها، وردت معاندة ورافضة بشكلٍ قطعي:
-لأ طبعًا مش هاعمل كده!
عقب عليها بتمهلٍ:
-افهمي يا "فيروزة"، الناس دي أكبر مني ومنك و...

صاحت مستنكرة وعلى وجهها نظراتٍ متنمرة:
-ده بلطجي، خريج اللومان، بتعملوا للي زي ده قيمة؟ ليه يعني؟
أجابها ببساطةٍ ودون تزييف:
-لأنه مسنود.
تملكها الحنق لمجرد التفكير في الأمر، كانت كلماتها عنيفة، مليئة بالاتهامات حينما قالت له:
-قول إن حضرتك مش عاوز تساعدني.

عاتبها بوجهه الذي تحول للصرامة:
-عيب الكلام ده يا "فيروزة"، أنا مش كده
لانت نبرتها قليلة، وقالت معتذرة دون أن تخبو انفعالات وجهها:
-أنا أسفة، بس ده حقي، وأنا مش هتنازل عنه
رد عليها بعقلانية علها تنحي عواطفها جانبًا وتحكم عقلها:
-وحقك هتاخديه، بس بشكل ودي.

أصرت على رفضها، واستطردت تقول:
-أنا أسفة يا "ماهر" بيه، سامحني، مش هاقدر أسمع كلامك.
سألها بعينين جادتين:
-يعني مصممة على اللي في دماغك؟
هزت رأسها تجيبه بكلمة واحدة:
-أيوه.
لم يحاول أن يستحثها على التنازل، ورد بهدوءٍ:
-تمام.

دقائق ساد الصمت فيها بينهما، تخللته فقط أصوات رسائل ترد على هاتف "ماهر" كان يجيب عنها نصيًا. فُتح الباب فجأة، ودخل "وجدي" للمكتب متسائلاً بحماسٍ، وقد توهم نجاح زميله في إقناعها:
-ها وصلتوا ليه؟
أجابه "ماهر" على مضضٍ وهو يهز رأسه بالنفي:
-للأسف راكبة دماغها يا "وجدي" بيه، ومصممة على المحضر.

اختفت الحماسة من تعابير "وجدي"، ورد عليه بوجومٍ وهو يسحب مقعده للخلف ليجلس خلف مكتبه:
-براحتها، خلينا نكمل المحضر بتاعنا...
ثم تركزت أنظاره على "فيروزة" وهو يكمل بلهجة مغايرة للود الذي استقبلها به:
-ونستدعي المدعو "تميم".
سألته في صدمة وقد اتسعت عيناها على الأخير:
-هو حضرتك هاتجيبه هنا المكتب؟

رد ببرودٍ وتعالٍ:
-أكيد طبعًا، مش محضر ولازم يتقفل!
ازدردت ريقها في اضطرابٍ، وشعرت برجفة مقلقة تصيب بدنها، فبكلماته الجامدة تلك نزع الطمأنينة من قلبها، تطلعت إلى "ماهر" بنظراتها المتوترة، وكأنها تستنجد به، نظر إليها بغموضٍ قبل أن ينطق بنبرته ذات الطابع الرسمي:
-تسمحلي أحضر معاك يا "وجدي" بيه؟
أجاب مرحبًا به:
-مافيش مشكلة.

مواجهة محتومة بينهما كانت مليئة بالحنق، بالكراهية، بالغضب، وبكل المشاعر العدائية. تطلع الاثنان إلى بعضهما البعض بعد أن جلسا متقابلين بنظرات متحفزة ونارية، وكأن بينهما صراع خفي بدأ منذ زمنٍ بعيد، كذلك امتلأت الغرفة بأحد أبرز محامين الدفاع ليتولى واحد منهم مهمة الحديث حينما يستلزم الأمر، وأيضًا حرص الضابط "ماهر" على التواجد، ناهيك عن توصيات اللواء "وفيق" الذي عرج عليهم بالغرفة ليلقي التحية على "تميم" قبل أن ينصرف.

حينها أدركت "فيروزة" أنها باتت في موقفٍ أضعف، لكنها ما زالت تثق في قوة القانون الذي لن يخذلها. بدأ "وجدي" في تدوين أقوال كليهما مستعينًا بأحد معاونيه، نظر إلى "تميم" متسائلاً بروتينية:
-الآنسة بتتهم حضرتك بإنك ولعت في عربية الأكل بتاعتها، إيه ردك على الكلام ده؟
عمق "تميم" من نظراته العدوانية لها، وأجابه بصوته الأجش:
-كدابة، ده محصلش!

هدرت "فيروزة" في عصبيةٍ وقبضة يدها المتكورة تضرب على سطح المكتب بانفعالٍ:
-أومال هي ولعت لوحدها؟ إنت بعت البلطجية بتوعك يحرقوها!
كانت نظرة الازدراء الباردة التي تطل من عينيه كفيلة بإغضابها أكثر، استرخى في جلسته، وأضاف نافيًا التهمة عنه:
-ماليش علاقة باللي بتتكلمي عنهم، أنا كنت قاعد في دكاني وكل أهل الحتة شاهدين عليا.
زاد من حنقها، وردت عليه في استهجانٍ ساخط متعمدة إهانته:
-طبعًا هتنكر، ما هو اللي زيك الإجرام بيجري في دمهم!

تأهب "تميم" في جلسته ونظر لها بشراسة قبل أن يحذرها مهددًا بلهجةٍ تنطق بعدائيته:
-اتكلمي كويس بدل ما أعدلك!
طرق "وجدي" بيده في ضيقٍ على سطح مكتبه مستنكرًا أسلوب "تميم" الهجومي، وهتف يحذره:
-ماينفعش الأسلوب ده هنا!
رد عليه من بين أسنانه المضغوطة، ونظراته المغلولة مسلطة على "فيروزة":
-وحضرتك مش شايف قلة أدبها؟

صاحت تدافع عن نفسها:
-أنا مغلطتش فيه.
التفت "وجدي" ناحيتها، ووجه حديثه لها يأمرها بلهجةٍ أقل حدة:
-وإنتي يا آنسة بالراحة من فضلك.
ضغطت على شفتيها في تأفف، وأدارت رأسها في اتجاه "ماهر" حين قال لها:
-اهدي يا "فيروزة"، احنا في تحقيق رسمي.
ردت صاغرة وعلى مضضٍ:
-حاضر يا "ماهر" بيه.

استمع "وجدي" إلى باقي أقوال "تميم" التي تنفي عنه تهمة إحراق العربة مؤكدًا بالبراهين الدامغة عدم تورطه في الأمر، ثم أضاف أحد محاميه برسميةٍ وهو يشير نحو "فيروزة" ليسهم بحكنةٍ ودهاء في تصعيد الموقف:
-اسمحلي يا باشا أشتكي على الآنسة في محضر رسمي واتهمها بالسب والقذف والاعتداء على موكلي في مقر عمله.
هبطت جملته على رأسها كدلو ماءٍ مثلج، انتفضت في جلستها، وهتفت في ذهولٍ:
-نعم؟ إيه الكلام ده؟

قال لها المحامي موضحًا بابتسامةٍ لئيمة استطاعت أن تبصرها مرسومة على وجهه:
-تقدري تنكري إنك اتهجمتي على الأستاذ "تميم" وضربتيه في دكانه؟!
شحب وجهها من إجابته التي حتمًا ستفسد المخطط المرسوم في رأسها، نظرة مترددة سددتها إلى "تميم" الذي بدا على غير العادة قويًا، معتدًا بنفسه، أحست بمرارة العلقم في حلقها، بخفقات مذعورة تصيب قلبها. هربت الدماء من عروقها حينما تابع المحامي اتهامه لها:
- ده غير الشتايم والإهانة الفظيعة اللي سببتيهاله وسط أهله، وهو في المقابل مقربش منك؟!

أوشكت أن تموت من التوتر والخوف بعد أن تبدلت المواقف، وأصبحت هي في نظر الجميع المتهمة، لاذت بالصمت لعجزها عن إيجاد الكلمات المناسبة التي تدافع بها عن نفسها، طال صمتها مما جعل الشكوك تساور "وجدي"، سألها مستفهمًا:
-الكلام ده حصل؟
أجابت بصوتٍ مهتز محاولة تبرير تصرفها:
-أيوه، بس عشان كنت متعصبة، وهو اللي حرق عربيتي و...
هدر بها "تميم" في غيظٍ:
-قولتلك محرقتهاش، هو رمي بلى والسلام!

عنفه "وجدي" لتجاوزه في التحقيق قائلاً بشدة:
-اسكت لو سمحت، ماينفعش اللي بتعمله ده.
زفر بصوتٍ مسموعٍ ورد بتعابير مشمئزة:
-ماشي يا باشا.
هتف المحامي بقوةٍ مستغلاً الموقف ليقلب الموازين ويحرز النصر لصالح موكله:
-سجل عندك يا باشا في المحضر اعترافها ده، ونقدر كمان نجيب لسعادتك تسجيل الكاميرات اللي في الدكان، ونشوف بقى مين اللي اتهجم على مين!

كم بدت تلك اللحظة قاسية على "فيروزة"! شعرت بالخزي من نفسها وبالندم على سوء تصرفها، فلو لم تنساق وراء عصبيتها لكانت في مركز قوة، نظرة لائمة حانت من "وجدي" ل "فيروزة" وهو يقول لها صراحةً:
-كده الموضوع هياخد سكة تانية.

استأذنه "ماهر" أن ينفرد بها للحظات بعد أن تفاجأ هو الآخر بتصرفها الخاطئ، أمسك ب "فيروزة" من ذراعها، وسحبها لركن منزوٍ بالغرفة حتى يتحدث معها، انساقت معه دون اعتراضٍ أو مقاومة، رمقها بنظرة تحمل الإدانة، وعاتبها هامسًا:
-كده تحرجيني يا "فيروزة"؟ إنتي مكونتيش صريحة معايا من الأول!
بررت له بصوتها المضطرب:
-والله كان غصب عني، مكونتش في وعيي بعد اللي حصل، ومجاش في بالي إنه هيعمل كده.

أصبح فجأة قاسيًا معها وهو يكمل بصوته الخافت:
-دلوقتي موقفك إنتي بقى وحش، واحتمال تتعرضي لمشكلة لو الموضوع كبر.
ردت في استنكارٍ:
-يعني يبقى حارق عربيتي وأنا اللي اتحاسب؟
قال في بساطةٍ:
-لأنك ضيعتي حقك بتهورك!
كان محقًا في لومه، نكست رأسها للحظةٍ في خزي، ولم تجرؤ على التطلع له وهي تسأله:
-طب والعمل إيه يا "ماهر" بيه؟

أجاب بزفيرٍ مزعوج:
-هانشوف هترسى على إيه.
رفعت عينيها إليه ترجوه وقد تسرب الخوف إلى أوصالها:
-أرجوك يا "ماهر" بيه تقف جمبي وتساندني، مش عاوزة حقي يروح.
لم يكن أمامه خيارٌ بديل سوى دعمها، نفخ في ضيقٍ، ورد عليها:
-ربنا يسهل
لعقت فيروزة شفتيها الجافتين والتوتر يزداد بداخلها، نظرة خاطفة وجهتها إلى تميم فرأته محدقا بها في قوة وزهو، وكأنه يظهر لها شماتته، أشاحت بوجهها المنكمش عنه، وهمست لنفسها في رجاءٍ يائس علها بذلك تستدعي قوتها الهاربة:
-مش أنا اللي أتنازل بسهولة!

ذرعت الغرفة جيئةً وذهابًا وهي تنوح وتولول على زوجها الذي اقتادوه من أسفل المنزل ليزجوا به في سيارة الشرطة، رأته مصادفة من خلف الزجاج الموصود بعد الجلبة التي أحدثتها صافرات الشؤطة المميزة، لم تعرف "خلود" كيف تتصرف حينذاك، صرخت منادية إياه باسمه، لكنه لم يسمعها، هرعت للداخل تدور حول نفسها كالمجنونة، فتحت ضلفة الدولاب لتخرج عباءتها، ألقت بها على ثيابها المنزلية، وركضت إلى خارج المنزل لتذهب إلى بيت خالتها، علها تجد عندها الخبر اليقين.

تفاجأت بها الأخيرة، وصدمت لما أصاب ابنها، تشاركت الاثنان في العويل والندب، ثم قامت "ونيسة" بمهاتفة زوج ابنتها لتستدعيه حتى يقف بجوار "تميم"، ولم يتأخر عنها، وبقيت كلتاهما حبيستان في المنزل، تنتظران على أحر من الجمر الأخبار المطمئنة. تلفت أعصاب "خلود" واحترقت أحشائها كلما تذكرت ذلك المشهد المؤلم، التفتت نحو خالتها تنوح لها:
-هتجنن يا خالتي، قلبي بيتقطع عليه، لسه برضوه مافيش أخبار عنه؟

ردت "ونيسة" بحزنٍ كبير ظاهر عليها:
-أديني كلمت عمك الحاج وقالي كلهم معاه جوا عند الظابط.
سألتها في لوعةٍ:
-يعني هيطلع ولا هيحبسوه؟
زجرتها في ضيقٍ:
-تفي من بؤك، الشر برا وبعيد.
قالت موضحة:
-أنا عاوزة أطمن بس.
تنهدت معقبة عليها في قنوط:
-محدش عارف حاجة لسه.

لطمت "خلود" على صدرها مكملة عويلها الموجوع وعيناها تبكيان:
-منهم لله اللي كانوا السبب، ربنا يحرق قلبهم زي ما حارقين قلبي على جوزي، وحارمني منه.
رفعت "ونيسة" كفيها للسماء تناجي المولى:
-يا رب ينجيك منها على خير يا ابني، أنا ماليش غيرك يا رب

استُكملت باقي الإجراءات الخاصة بالتحقيق في البلاغات التي نالت طرفيه، وتبقى فقط التوقيعات عليه، فعلت "فيروزة" ما رأته صوابًا من وجهة نظرها، وإن تحملت تبعات رعونتها، انتظرت تراقب "تميم" في تحفز على مقعدها، لكن صعدت الدماء بقوةٍ إلى وجهها حينما قال "وجدي" بلهجةٍ عادية:
-تقدر تتفضل يا أستاذ "تميم"
سأله المحامي مستوضحًا:
-يعني موكلي يقدر يمشي؟
أجابه وهو يهز رأسه بالإيجاب:
-أيوه.

صدمت "فيروزة" من قراره الذي خالف توقعاتها، ورددت متسائلة في عصبيةٍ والدهشة تكسو كامل ملامحها:
-إنتو هتسيبوه يمشي بالبساطة دي؟
ابتسم لها "تميم" ساخرًا:
-أومال فكرك إيه؟ هبات في التخشبية؟
استشاطت نظراتها واِربد وجهها بغضبٍ عظيم، وقبل أن تتفوه بكلمة تندم عليها لاحقًا، بادر "وجدي" يحذرها بصرامةٍ:
-اهدي يا آنسة، وسيبني أشوف شغلي.

قالت في استهجانٍ:
-طب إزاي؟ ده بلطجي وسوابق!
لم يقبل "تميم" بإساءتها لشخصه، فحذرها بخشونةٍ ونظراته النارية مرتكزة عليها:
-اغلطي أكتر عشان تتحاسبي أكتر.
قالت في تحدٍ:
-أنا مش خايفة منك!
صاح بهما "وجدي" في نفاذ صبرٍ:
-ماينفعش الأسلوب ده هنا، إنتو في قسم البوليس مش في الشارع..

ثم وجَّه باقي حديثه إلى رفيقه" بلهجة منفعلة قليلاً:
-اتكلم مع قريبتك يا "ماهر" بيه!
استدار نحوها الأخير يأمرها بجمودٍ:
-لمي الدور يا "فيروزة"، واهدي شوية.

خُيل إليها أنها ترى ابتسامة "تميم" المستفزة متشكلة على ثغره ونظراته الحاقدة تنفذ إلى داخلها، لم تستطع أن تمرر إخلاء سبيله بعد ما تكبدته من عناء، لذا مالت على "ماهر" تقول له وهي تجاهد لضبط انفعالاتها حتى لا تستثار مجددًا:
-عاوزني أهدى إزاي يا "ماهر" بيه وأنا شايفة بعيني حقي بيروح
رد عليها بهدوءٍ اكتسبه من طبيعة مهنته التي تتطلب ثباتًا انفعاليًا كبيرًا:
-لسه في كلام، الموضوع مخلصش.

وبالرغم من نظراته التي تؤكد لها دعمه إلا أن شعورها بالارتياح يكاد يكون انعدم، تحركت حدقتاها تلقائيًا مع صوت المحامي وهو يقول مبتسمًا في زهوٍ:
-يالا يا أستاذ "تميم"، احنا موقفنا في السليم.
بقيت نظراتها متجمدة عليه وهو يرحل من الغرفة بصحبة محامينه، وقبل أن يخرج من الباب التفت "تميم" يودعها وتلك النظرة الغامضة تحتل عيناه:
-سلام يا .. يا أبلة!

كزت على أسنانها في غيظٍ وهي تشعر بالدماء تفور في رأسها، ما انتشلها من تحديقها الناري في طيفه الذي رحل صياح "ماهر" المعنف بها:
-اللي عملتيه ده غباء، وحطيتي نفسك في موضع شبهات.
تطلعت إليه في حيرة، فتابع بنفس الصوت الحانق:
-وطبعًا بالمحضر اللي عمله فيكي لو مثبتش فعلاً إنه متورط فيه هيطالبك بتعويض.
ردت متسائلة في قلقٍ، وما زال عنادها مسيطرًا عليها:
-والحل إيه دلوقت؟ أنا عاوزة حقي منه!

هنا تدخل "وجدي" في حوارهما ليقول:
-للأسف إما إنك تتنازلي عن المحضر أو ...
أدارت رأسها نحوه تقاطعه بإصرارٍ شديد:
-مش هتنازل مهما حصل
نصحها بجديةٍ وهو ينظر لها:
-فكري بالعقل وبلاش استعجال
وقبل أن تنبس بكلمة إضافية، بادر "ماهر" يقول لها مشددًا:
-خدي وقتك واحسبيها كويس، وأنا معاكي في القرار الصح اللي هتاخديه

اصطحبها عبر ردهات القسم حتى وصل بها إلى الخارج، وأوصاها "ماهر" خلال سيره المتباطئ معها بالتروي وتحكيم العقل قبل اتخاذ أي قرارٍ مصيري، وعدته "فيروزة" بإعادة التفكير في تلك المسألة دون أن تعطيه ردًا صريحًا بالتراجع، ودعته بعد أن اعتذرت منه بلباقةٍ عن الإزعاج الذي سببته له، كما شكرته على دعمه ووقته الذي خصصه لها، وبدأت في الهبوط على درجات القسم الرخامية. خرجت من محيط ذلك المكان الشرطي لتتفاجأ به يعترض طريقها بجسده المشدود، ونظراته القاتمة..

سرت عدوى الارتعاب في كامل جسدها، تراجعت تلقائيًا خطوة للخلف وهي تحاول التظاهر بالتماسك أمامه، تقدم "تميم" نحوها وهو يقول لها بوجهٍ يفح غضبًا:
-لو مفكرة إني هاسيبك تبقي غلطانة، إنتي فتحتي على نفسك طاقة جهنم معايا!
تحلت بالشجاعة، وقالت بصوتٍ شبه متهدج:
-إنت بتهددني؟

توحشت نظراته بشكلٍ مخيف جعل قلبها يدق في خوفٍ أكبر، دنا أكثر منها غير عابئ أنها تتراجع نحو القسم ليهددها:
-سميه زي ما تسميه، والقلم اللي ضربتهوني قصاد الناس، هتتحاسبي عليه.. بس في وقته!
قاومت خوفها، وردت تتحداه:
-مش هاتقدر تعملي حاجة، وبكرة ترجع اللومان و...
قاطعها بما يشبه السخرية:
-ده لو مدخلتهوش قبلي!

برقت عيناها من تهديده الواثق بالفوز، وكأن القضية التي لم تبدأ بعد قد حُسمت لصالحه، تركها تتخبط في أفكارها وأولاها ظهره لينصرف مبتعدًا عنها بخطواتٍ تميل للعدو .. قابل "ناجي" الذي كان ينتظره بالخارج وعند سيارة والده، وما إن رأه الأخير مقبلاً عليه حتى هرع نحوه يسأله:
-"تميم"، إنت كويس؟ عملوا معاك إيه؟
تطلع إليه في اندهاشٍ قبل أن يرد على سؤاله:
-"ناجي"، إنت عرفت منين إني هنا؟

خرج صوته مهزوزًا بشكلٍ ملحوظ وهو يجاوبه:
-"محرز" كلمني، وأنا .. جيتلك على هنا، واطأست وعرفتك إنك جوا، مش كده يا "محرز".
رد عليه مبتسمًا في سماجة:
-ايوه مظبوط، ده متأخرش عنك يا "تميم"!
أحس "تميم" بيد والده تربت على كتفه، التفت برأسه للجانب ناحيته وهو يطلب منه:
-بينا يا ابني نرجع البيت.
رد معتذرًا بوجهٍ متجهمٍ:
-ثواني يابا، عاوز "ناجي" في كلمتين.

ثم استدار نحوه يسأله مباشرةً:
-إنت ليك يد في اللي حصل؟
ارتبك وهو يجيبه:
-آ.. هو... مش أنا بالظبط وآ...
-تعالى معايا.

قالها "تميم" بنبرة عميقة وهو يقبض على ذراع رفيقه يجره منه بعيدًا عن والده والبقية، انزوى به في بقعة معتمة، ثم دفعه بقسوةٍ نحو أحد الأبواب الحديدية لأحد الأكشاك المغلقة ليستفسر منه عما حدث، أخبره "ناجي" بترددٍ عن محاولة "حمص" و"شيكاغو" الغاشمة من أجل إرضائه، انقض عليه فور أن سمع الحقيقة كاملة مطبقًا على عنقه وضاغطًا بأصابعه على عرقه النابض، تحشرج صوت "ناجي" وهو يبرر له مدافعًا عن نفسه:
-اقسم بالله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا كده..

كز على أسنانه وهو يصرخ به:
-بتورطني يا "ناجي"؟ من امتى بأخد تاري من الحريم؟
حاول أن يلتقط أنفاسه ليقول له بصعوبة واضحة عليه:
-غلطة يا "تميم" ..
أرخى أصابعه عنه وهو يدمدم بسبة نابية، سعل "ناجي" بعد أن استنشق دفعة كبيرة من الهواء ليملأ بها صدره المختنق، نظر في توجسٍ لرفيقه الذي تراجع للخلف وهو يلومه بشدةٍ:
-وهتفدني بإيه لما تقولي كده؟

أبدى "ناجي" ندمه الشديد، ووعده بنبرة عازمة:
-أنا محقوقلك، والليلة بقت عندي، وأنا عارف هصلحها إزاي، اديني بس يومين تلاتة، وكل حاجة هترجع زي الأول وأحسن.
أشار له "تميم" بسبابته وهو يرد بنبرة تحمل في طياتها التهديد، وقد غامت نظراته بشكلٍ مقلق:
-يا ريت، وإلا هايكون في كلام تاني صدقني مش هايعجبك!
هز برأسه في ارتياحٍ بعد أن منحه الفرصة، وهتف معقبًا عليه:
-أمين يا صاحبي.

تسللت كاللصوص إلى داخل المنزل بعد أن هاتفت أختها لتطلب منها انتظارها بالقرب من الباب حتى تفتحه لها فور وصولها، وبالتالي لا تثير انتباه والدتها أثناء عودتها. وبخطوات خفيفة وحذرة خطت "فيروزة" نحو غرفتها، ألقت بثقل جسدها المنهك على الفراش، وأغمضت عينيها لوهلةٍ وهي تكاد لا تصدق أنها في البيت، تنفست الصعداء ووضعت يدها على صدرها تتحسس نبضات قلبها بعد مُضي ذلك اليوم المشحون بكل ما فيه من مآسٍ، جلست "همسة" إلى جوارها، وسألتها في تلهفٍ عن تفاصيل كل شيء، أوجزت الأولى معها في الحوار، وأعطتها لمحة مختصرة عما آلت إليه الأمور، اختتمت حديثها قائلة في امتعاضٍ وهي تسحب الوسادة خلف ظهرها:
-الزفت اللي اسمه "تنين" عمل فيا محضر.

تعجبت "همسة" من ذلك اللقب الغريب الذي أطلقته على خصمها، وتساءلت مستوضحة:
-"تنين"! تقصدي "تميم"؟
ردت بتأففٍ وقد انفرجت زاوية فمها عن ابتسامة ساخرة:
-أيوه، هو في غيره!
ثم اعتدلت في نومتها وتابعت بتفاخرٍ زائف حتى لا تشعر بقلقها من تطور الأمور:
-بس أنا مسكتش وعرفته مقامه!

لم تنتبه لصوتها الذي كان مرتفعًا بعض الشيء بسبب انفعالها فحاز على انتباه والدتها التي مرت مصادفة بجوار الغرفة، التصقت بالباب لتسترق السمع لحوارهما الخطير، انقبض قلبها في فزعٍ وتوترت كليًا بعد أن عرفت تقريبًا ما خبأته ابنتاها عنها، وبضيقها المختلط بارتعابها اقتحمت الغرفة متسائلة بحدةٍ ونظرات العتاب بائنة في عينيها:
-إيه اللي أنا سمعته ده؟
حاولت "فيروزة" الإنكار، فقالت وهي تتصنع الابتسام:
-مافيش حاجة يا ماما، ده آ...
قاطعتها بغلظةٍ:
-هتخبي عليا يا "فيروزة"؟

حثت "همسة" أختها على البوح بالحقيقة، فقالت وهي توزع نظراتها المتوترة بين وجهي كلتيهما:
-قوليلها يا "فيرو"، ماما لازم تعرف!
لم تجد بدًا من مصارحتها، نهضت عن الفراش، واجتذبت والدتها من ذراعها لتجلسها على طرفه، ثم جثت على ركبتيها أمامها ورفعت رأسها إليها لتتطلع إليها وهي تسرد لها تفاصيل الساعات الأخيرة، اتسعت عينا "آمنة" في ذهولٍ، توقعت من والدتها أن تأزرها، وتساندها في أزمتها، أحبطت سقف توقعاتها حينما لطمت على خدها ووبختها بقسوةٍ:
-يا نصيبتي! محاضر وأقسام؟ هو احنا كنا ناقصين مشاكل يا بنتي؟ ليه تعملي كده؟

استندت على مرفقيها لتنهض من جلستها غير المريحة، وهتفت معترضة على خذلانها لها:
-هو الكل ليه جاي عليا، الحيوان ده اللي بدأ، وأنا كنت بأخد حقي منه، المفروض تقفي معايا يا ماما وتساعدني
صرخت بها أمها وهي تنتفض واقفة:
-مش في ده يا "فيروزة"!

لم تتمكن قدماها من حملها، فعادت لتجلس وهي تندب سوء الحظ الملازم لعائلتها الصغيرة:
-استرها علينا يا رب، ده احنا ولايا، هنعمل إيه بس..
نظرت لها "همسة" في إشفاقٍ، ومالت عليها تضمها من كتفيها إليها محاولة تهدئتها، بينما رمقت "فيروزة" أمها بنظرة مغتاظة، أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وظلت تنفخ بصوتٍ مسموع، كادت أن تفقد هدوئها المفتعل ووالدتها تضيف بخوفٍ غريزي نابع من طبيعتها المستكينة:
-آه لو خالك عرف!

نظرة حانقة مسحت بها وجه والدتها قبل أن ترد غير مبالية:
-مش فارقة معايا، اللي حصل حصل، وأنا مش هاسكت عن حقي!
هبت والدتها واقفة على قدميها، تحركت صوبها وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها، ثم صرخت فيها بتشنجٍ:
-هو احنا كنا ناقصين؟ طول عمرنا في حالنا وماشيين جمب الحيط، هانيجي على آخر الزمن نخش أقسام ونروح نيابات؟ الموضوع ده تفضيه، وكفاية إنه انتهى على كده
ردت بتزمتٍ:
-لأ مخلصش، وأخو "علا" الظابط واقف معايا فيه
قالت لها بما يشبه التوسل:
-يا بنتي أنا مش عاوزة مشاكل، محدش هينفعنا في الآخر، إنتي تشوفيلك حل، وبناقص منها العربية، في ستين داهية!
علقت بعندٍ أكبر:
-مش هايحصل.

استبد ب "آمنة" خوفها، فأخذت تنوح بغضبٍ:
-أنا عارفة إن الكلام مش هايجيب فايدة معاكي، إنتي ما بتسمعيش كلام حد أبدًا!
انسحبت "فيروزة" من الغرفة حتى لا يحتدم جدالها العقيم مع والدتها، استدارت "آمنة" إلى توأمتها ترجوها والدمع قد بدأ في التجمع في مقلتيها:
-كلميها يا "همسة"، جايز تسمعلك.
ردت صاغرة وهي تومئ برأسها:
-حاضر يا ماما، أنا هاعمل اللي عليا معاها، وربنا يهديها.
خرجت والدتها من الغرفة مجرجرة ساقيها، استطاعت أن تسمع صوتها المناجي وهي تدعو:
-استرها علينا يا رب من اللي جاي.

ارتمت في أحضانه بمجرد أن وطأ منزل أبويه وتعلقت في عنقه كالطفل الصغير رافضة تركه وهي تكاد لا تصدق عودته إليها، لم تبالِ بمن يتطلع إليها وبمن سيلومها على شغفها الزائد به، المهم أنه عاد إليها سالمًا، اضطر "تميم" أن يتحرك بها نحو الصالة، في حين دفست "خلود" رأسها في صدره، وهتفت بتلهفٍ مبتهج:
-حمدلله على سلامتك يا حبيبي، أنا كنت بأموت لما شوفتهم بياخدوك من تحت البيت، الحمدلله إنك رجعتلي.

أبعدها عنه في حرجٍ من اندفاعها نحوه بذلك الشكل المخجل، نظر لها بعينين تعكسان انزعاجه قبل أن يرد بأنفاس الضيق:
-أنا كويس أهوو قدامك، ماينفعش كده
رفضت التخلي عنه، وظلت ملتصقة به رغمًا عنه، واستطردت:
-مش هاسيبك يا حبيبي، إنت ماتعرفش غلاوتك عندي عاملة إزاي.
رد ببسمة متكلفة:
-ما هو باين.

جاءت والدته إليها وأزاحتها من طريقها وهي تقول:
-وسعي يا "خلود" خليني أخد ابني في حضني.
اضطرت أن تتركه قائلة على مضضٍ وبوجهٍ شبه عابس:
-اتفضلي يا خالتي.
فتحت "ونيسة" ذراعيها لابنها الذي انحنى عليها ليقبلها من كتفيها، ضمته إليها ليشعر بأحضانها الحانية على جسده المرهق، ثم رفعت رأسها إليه لتتأمل وجهه، مسحت بيديها على صدغيه وسألته في لهفةٍ:
-حبيبي يا "تميم"، إنت كويس يا غالي؟ قولي عملوا فيك إيه ولاد ال ... دول؟

تنهيدة مهمومة خرجت من صدره قبل أن يرد عليها مبتسمًا ابتسامة باهتة:
-ولا حاجة يامه، أنا زي الفل..
تحولت أنظار "تميم" نحو والده، وأثنى على مجهوده العظيم قائلاً:
-وأبويا ربنا يبارك في عمره قام بالواجب وزيادة.
هز "بدير" رأسه في استحسانٍ ورضا، بينما أضاف "محرز" من خلفهما بابتسامته اللزجة مستخدمًا ذراعيه في التلويح:
-الحمدلله ابنكم رجع بالسلامة أهوو، أنا كده عداني العيب، ألحق أروح ل "هاجر" وأطمنها.

استدار "تميم" نحوه يشكره:
-كتر خيرك يا "محرز"، سهرناك معانا
ضحك في سخافةٍ قبل أن يقول بنفس تلك الابتسامة المستهلكة:
-ولا يهمك يا ابن عمي، سلامو عليكم.
قاموا بتوديعه ليسير بعدها "تميم" نحو أقرب أريكة، استراح عليها وأغمض عينيه للحظات محاولاً تعطيل عقله الذي لم يتوقف عن التفكير مؤقتًا، شعر بيدٍ حنون تفرك جانبي عنقه، فاستسلم للأنامل التي بددت الآلام المكتومة في عظامه، انتبهت حواسه فجأة ووالدته تسأله:
-حقه الكلام اللي سمعناه ده صحيح؟ بنت "آمنة" اللي ورا حبسك؟

أجابها بقنوطٍ وهو ينظر لها:
-آه هي.
ثم عاد لصمته الإلزامي من جديد رافضًا إشباع فضول والدته المستثار.
بدت الحيرة واضحة على تعبيرات "خلود"، سلطت أنظارها عليها متسائلة بفضولٍ ويداها ما زالت تعملان على كتفي زوجها:
-مين دي يا خالتي؟
ردت في أسفٍ وقد اكتست تعبيراتها بلمحة من الحزن:
-واحدة كنت مفكراها جارتي يا "خلود"، مكنش العشم والله!

ضرب "بدير" بعكازه على الأرضية ليقول بعدها في حسمٍ:
-خلاص يا "ونيسة" مالوش لازمة نتكلم، المهم "تميم" رجع لبيته.
أيده الرأي فقال بصوتٍ أجوف:
-مظبوط يابا، كفاية رغي فيه.
هزت والدته رأسها في استسلامٍ، ثم اقترحت بنبرة مرحبة والابتهاج يملأ عينيها:
-إنت تبات معانا إنت ومراتك هنا، أوضتك جاهزة وزي الفل، أنا موضبة كل حاجة.

على الفور ودون منحه الفرصة لاتخاذ القرار هتفت "خلود":
-أنا معنديش مانع يا خالتي، ده بيتنا، و"تميم" محتاج يرتاح، كفاية اللي شافه طول اليوم.
حرك رأسه قائلاً، وقد تمكن التعب منه:
-طيب.
وبثقلٍ وتباطؤ نهض "تميم" من مكانه واتجه إلى غرفته، وخطوات زوجته تلحق به، صاحت "ونيسة" من خلفهما:
-أنا هاجهزلكم لقمة تاكلوها.
استوقفت كلماتها "خلود"، فأدارت رأسها نحوها لتشكرها:
-تسلمي على تعبك يا خالتي.
أشارت لها بيدها تستحثها بنبرة ذات مغزى:
-روحي ورا جوزك شوفي ناقصه إيه.
-حاضر.

قالتها بمرحٍ وهي تسرع الخطى نحو غرفة نوم "تميم"، تلك التي ستبيت فيها الليلة في أحضانه الدافئة بعد أن كانت تطأها خلسة، راقبتهما "ونيسة" إلى أن تواريا بالداخل، ثم التفتت نحو زوجها تقول له وقد تبدلت تعبيراتها للتجهم:
-اعمل حسابك يا حاج أنا مش هاسكت عن اللي حصل ده.
رد عليها بلهجة جادة:
-ماتكبريش الموضوع يا "ونيسة".

غامت عيناها وهي تتطلع إليه، وبدت قسماتها المرهقة مشدودة عن ذي قبل، ثم هتفت بلهجتة عبرت عن قساوةٍ لا تظهر إلا في المصائب، لتعلن بصراحة عن تصعيد الخلاف لأقصاه:
-هو كبر لوحده خلاص يا "بدير"! وابني عندي مش أغلى من بنت "آمنة" ...!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W