قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول للكاتبة منال سالم الفصل الحادي عشر

رواية الطاووس الأبيض للكاتبة منال سالم الجزء الأول

رواية الطاووس الأبيض الجزء الأول للكاتبة منال سالم الفصل الحادي عشر

رمشت بعينيها في بطءٍ وهي تتطلع إلى أختها التي باغتتها بسؤالها ذلك وقد اعتقدت أنها تناسته في خضم تلك المشادة الأخيرة، عقدت المفاجأة لسانها، أحست بجفاف شديد في حلقها، بخوفٍ ممتزج بالتوتر يتسلل تحت جلدها، بالعرق البارد يصيب أنحاء متفرقة من جسدها .. كانت حيرتها جلية على قسماتها؛ فإن تفوهت بما حدث مسبقًا لربما دفعت "فيروزة" للعودة إلى العرس والتشاجر من جديد معه، وهذا ما ترفضه قطعيًا، لأنه سيزج بها في مشاكل جمة لن تُحل بسهولة .. وإن أخفت الأمر عنها لربما غضبت منها إن شاءت الأقدار وتكرر الصدام معه أثناء عملهما بالعربة، أصاب "همسة" الوجوم الشديد، حتى أن ملامحها بهتت ونظراتها زاغت .. طال صمتها مما زاد من غريزة الفضول لدى أختها، استغرقت بلا وعيٍ في أفكارها المتخبطة حتى انتبهت على صوت "فيروزة" حينما ألحت عليها تسألها:
-إيه يا بنتي؟ إنتي نسيتي كنتي عاوزة تقولي إيه عنه؟

لعقت "همسة" شفتيها تجيبها في تلعثم:
-لأ.. ولا حاجة، كنت .. آآآ...
جفاف أكبر أصاب جوفها مما زاد من طعم المرارة به، ازدردت ريقها الهارب وتابعت كذبًا:
-كنت مفكراه شبه .. ممثل كده، وحتى كنت .. هسألك لو تعرفيه.
ثم حملقت في "فيروزة" تراقب بأعصابٍ مشدودة ردة فعلها، ورغم سذاجة إجابتها إلا أنها كانت كافية لتمنحها فرصة للتفكير مليًا في حجةٍ أكثر إقناعًا إن استمرت في التحقيق معها وحاصرتها بأسئلتها، تنفست "همسة" الصعداء حينما ردت عليها بما يشبه التهكم:
-والله إنتي فايقة ورايقة، ممثل إيه بس!

خرجت ضحكة متكلفة من جوفها وكأنها تضحك على كلماتها فقط لتخفي الاضطراب الذي اعتلاها، تحركت "فيروزة" للداخل دون أن تتفوه بكلمة أخرى وقد بدأت زخات المطر في الهطول، أحست "همسة" بالارتياح لانصرافها، وتمتمت مع نفسها في تضرع:
-الحمدلله يا رب، عدت على خير.

تركت للمطر مهمة تبريد تلك السخونة التي انتشرت في بشرتها بفعل الأدرينالين والانفعال، أغمضت عينيها ورفعت رأسها للأعلى مستمتعة بذلك الإحساس المنعش، ثم تنفست بعمق حتى تتأكد من انتظام دقات قلبها، رفعت "همسة" يدها لتمسح المطر العالق بأهدابها، واشرأبت بعنقها لتنظر إلى ما تفعله "فيروزة" بجوار السلم، فوجدتها تفتح الحجرة المخصصة لتخزين العربة لتجمع صناديق الطعام الصغيرة، تبعتها في صمتٍ لتساعدها وهي تردد كلمات أغنية علقت في ذهنها مما جعل الأخيرة تضحك على صوتها المريع وهي تنظر لها من طرف عينها، ثم بدأت في مشاركتها الغناء بصوتٍ لا يقل عنها نشازًا.

تراصت السيارات أمام البناية المشابهة لأغلب عمارات المنطقة في ارتفاعها الذي لا يتجاوز الأربع طوابق -والمملوكة لعائلة "سلطان"- لتصدح بعدها أصوات الأبواق كإعلانٍ صريح عن وصول العروسين لمسكن الزوجية، وبالرغم من كون ذلك قد أحدث صخبًا وجلبة عالية إلا أنه لم يشكو أحدهم من هذا، فما زالت تلك هي الطريقة التقليدية المتبعة في الأفراح .. ترجل "تميم" أولاً من السيارة واستدار بجسده للخلف لينظر إلى والده الذي ترجل من سيارة أخرى.

تحرك الأول في اتجاهه وامتدت ذراعاه لتحتضنه وتشكره على مساندته طوال الساعات الماضية، ثم أطل برأسه من زجاج النافذة ليمسك بكف جده، رفعه إلى فمه وقبله احترامًا وتبجيلاً. اعتدل في وقفته ليجد والدته تربت على جانب ذراعه ووجهها البشوش يلمع بعبرات الفرح، مسحت بأناملها دمعاتها المنسابة وهي تدعو له:
-ربنا يرزقك يا ابني بالسعادة وراحة البال.. إنت تعبت واتظلمت كتير، وعروستك طيبة وتستاهلك
أحنى رأسه على جبينها يقبله في امتنانٍ يشكرها:
-ربنا يخليكي ليا يامه، أنا من غير دعواتك ولا حاجة.

نظرت له بحبٍ، وقالت:
-حبيبي يا ابني ...
ثم ابتسمت له قبل أن تستأنف جملتها:
-وبعدين يا ضنايا البت "خلود" طلعالي، وتربية إيدي، يعني هتريحك في كل حاجة
رد ممازحًا:
-يا ريت يامه تبقى شبهك، بس إنتي بردك مافيش زيك يا ست الكل.
علقت عليه بنبرة ذات مغزى وهي تشير بحاجبيها:
-روح لعروستك بقى، مايصحش تسيبها كده مستنياك..

التفت برأسه عفويًا في الاتجاه الذي أشارت إليه فوجد "خلود" قد ترجلت من السيارة، وتتبادل الحديث مع والدتها التي حتمًا كانت تُملي عليها الوصايا العشر لتفرض سيطرتها على المنزل، هكذا خمن في نفسه، خاصة وأنها كانت ملتصقة بها بطريقة غير طبيعية وزائدة عن الحد منذ بداية العرس وحتى نهايته، تقدم نحوهما متنحنحًا في خشونة، ثم هتف عاليًا لتنتبه "بثينة" له:
-ها يا حماتي، خلصتي مع مراتي ولا لسه قدامك شوية؟

نظرت له خالته في استهجانٍ قبل أن تجيبه بشفاه مقلوبة وبما يشبه التهكم:
-أديني واقفة معاها لحد ما تخلص إنت، ولا عاوزني أسيبها لواحدها لحد ما سيادتك تفضى؟
حدجها بنظرة حادة عكست ضيقه، واستطرد يحرجها بكلماته القوية:
-ما هو أنا واقف مع أهلي اللي هما برضوه أهلها، مش برده احنا بينا دم واحد؟ ولا الظاهر إنك بقيتي بتنسي كتير الأيام دي يا .. حماتي!
استشاطت غيظًا منه فصاحت تهاجمه في قسوة:
-أنا خالتك قبل ما أكون حماتك، يعني في مقام أمك!

رد مبتسمًا بغطرسة ليشعل غيظها أكثر:
-أنا ماليش إلا أم واحدة!
أطبقت "بثينة" على شفتيها في حنقٍ واضح للحظات، ثم هتفت تحذره بنبرة أقرب للتهديد:
-طيب أحسنلك تاخد بالك من "خلود"، وإياك تزعلها! هتلاقيني في ضهرها ووقفالك!
ظهر عرق نابض في جيبنه بسبب ضيقه من أسلوبها غير المستساغ في التوجيه، استنشق الهواء البارد ليثبط به دمائه التي زاد احتقانها، وزفره دفعة واحدة ليضيف بعدها ضاغطًا على كلمات جملته الأولى:
-اطمني يا .. حماتي، أنا عارف إزاي أعامل أهل بيتي، مش مستني حد ينصحني، و...

ثم سلط أنظاره على أبويه متابعًا في تفاخرٍ وغرور:
-وكفاية إني تربية الحاج "بدير"، ومن قبله جدي "سلطان"، ده غير أخلاق أمي اللي مغروسة فيا، فمتقلقيش...
وما لبث أن تحولت لهجته للقوة ونظراته للصرامة عندما تابع بنبرة خفيضة نسبيًا وقد مال نحوها برأسه:
-إنتي بس ريحي نفسك والدنيا هتمشي!

زمت "بثينة" شفتيها في امتعاضٍ مستنكر وهي ترمقه بنظرة نارية مغتاظة، ثم تقدم "تميم" خطوة للأمام ليتجاوزها ويقف قبالة عروسه التي تضرج وجهها بحمرة نضرة، ثني ذراعه وهو يبتسم لها، فمدت "خلود" يدها لتتأبطه وقد أسبلت عينيها بخجلٍ، التفتت للجانب برأسها قليلاً لتلوح بيدها الأخرى لعائلتها تودعهم، ثم تطلعت أمامها وأكملت سيرها بحذرٍ رافعة طرف ثوب عرسها وكذلك واضعة طرحتها الطويلة على مرفقها حتى لا تتسخ بفعل الأرض المبتلة بزخات المطر، اتجهت مع زوجها نحو مدخل العمارة الذي تم طلائه حديثًا باللونين الأبيض والرمادي الفاتح ليخفي التشققات الناتجة عن الرطوبة المستمرة والظاهرة على الجدران. دق قلبها في حماسٍ وخوف، كما تواترت مشاعرها في تلك اللحظات المصيرية، واضطرب وجدانها مع اقتراب تحقيق حلمها الوحيد.

تراقصت أحلامها الوردية بتمضية ليالٍ رومانسية ناعمة ودافئة في مخليتها وهي تزف إليه بعد صبر طويل وعزيمة قوية، لم تنسَ "خلود" لحظات اليأس التي كادت أن تتملك منها وتفقدها الأمل، ولكن في تلك الليلة تلاشت مخاوفها وتبددت أحزانها، وباتت تنتظر بشغفٍ تذوق رحيق الحب مع معشوق قلبها وفارس أحلامها الوحيد.

أخرجها "تميم" من سرحانها المُشوق بأن يجمعهما سقف واحد حينما استوقفها عند بداية الدرج ليحملها بغتةً بين ذراعيه، خفق قلبها بقوةٍ، وتلبكت من حركته التي هزت كيانها وحفزت مشاعر الحب بداخلها، أخفضت عينيها في استحياءٍ، لكن تأثير أحاسيس الحب عليها بدا ملموسًا، واضحًا، ولا حاجة به إلى برهان، واصل تسلق الدرجات بها في خفةٍ وكأنها لا تزن شيئًا حتى وصل إلى الطابق الثاني حيث تتواجد شقتهما.

أنزلها لتقف على قدميها، ثم دس يده في جيب سترته ليخرج المفتاح منه، دسه في مكان القفل وفتح الباب بدفعة خفيفة لينفتح على مصراعيه، عاد ليحملها من جديد ليزيد من مشاعر الشوق والرغبة بداخلها، وتلك المرة تجرأت على تطويق عنقه بذراعيها، واختلست النظرات نحو وجهه الذي كان قريبًا منها للغاية، كانت تشعر بحرارة أنفاسه اللاهثة، بالإيماءات الحذرة المتشكلة على جانبي شفتيه، انفصلت عن محيطها الواقعي لتبقى أسيرة تلك الهالة الساحرة التي تحاوطه.

وعلى عكسها كان "تميم" مشغولاً بالانتباه إلى خطواته بداخل الشقة التي كانت كبيرة في مساحتها، وبالتالي لم تكن هناك أي صعوبة في شراء الأثاث كبير الحجم أو حتى رصه، بل تبقت زوايا خالية تحتاج للمزيد من اللمسات الأنثوية لملئها، نظرة سريعة في البهو تبعتها أخرى نحو الردهة، ثم تقدم بها في اتجاه غرفة النوم، هناك أنزلها على قدميها بكل رقة ورمقها بابتسامة دافئة قبل أن يستهل حديثه مُبارِكًا:
-نورتي بيتك يا عروسة.

أسبلت عينيها في خجل رقيق، وعضت على شفتها السفلى وهي ترى نظراته المتأملة له، أولته ظهرها لتنظر إلى الفراش الذي تم ترتيبه بشكل منمق ليليق بليلة كتلك، جابت عيناها ثياب كليهما الموضوعة بانتظام على طرفي الفراش، استدارت لتتطلع إلى زوجها وهي تقول بأنفاسٍ شبه متهدجة من فرط فرحتها:
-أنا مش مصدقة نفسي لحد دلوقتي! أنا وإنت في بيت واحد..
رد مبتسمًا وقد دس يديه في جيبي بنطاله:
-لأ صدقي.

اقتربت بغنجٍ متدلل خطوة منه حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة للغاية، حركت كتفها بإغراء وعذوبة، ثم رفرفت بعينيها وهي تتمعن النظر فيه عن قرب، لاحت ابتسامة رقيقة مغرية على شفتيها الممتلئتين حينما همست بنعومة:
-أنا بأحبك أوي.
وكأي شخص طبيعي تتأثر مشاعره الأكثر صلابة بفعل المغريات اللذيذة المؤججة للمشاعر الذكورية الحميمة أحنى "تميم" رأسه على زوجته بعد أن احتضن وجهها براحتيه ليختطف منها أول قبلة مطولة انحبست فيها الأنفاس واهتز معها الوجدان.

استضافته بترحابٍ فرح للغاية بعد أن جاء إلى زيارتها تنفيذًا للوعد الذي قطعه علنًا أمام الحاج "بدير" قبيل انتهاء العرس، لم تبخل على شقيقها بشيء، تناست خصومتها معه فور أن وطأ أعتاب منزلها، وكأن شيئًا لم يكن، في قرارة نفسها كانت تتلهف لإعادة روابط الود بينهما، أعدت له الأصناف الشهية من الحلويات وملأت الكؤوس والفناجين بالمشروبات الباردة والدافئة، حتى أنها ضيفت زوجته بلطفٍ زائد لتنسيها أي خلاف مما استفز ابنتها الجالستين بالداخل، وخاصة "فيروزة" التي كانت ناقمة على الاثنين لكونهما مخادعين، تلصصت كلتاهما على الحوار الدائر في الصالة معلقتين بهمسات مزعوجة وساخطة، تردد أصداء صوت "خليل" الذي كان عاليًا عاليًا وهو يستطرد مبررًا:
-بردك ياختي أنا خايف عليكي، واللي عملته ده كان عشان مصلحة البنات، ما أنا زي أبوهم.

ردت عليه "آمنة" بإيماءة موافقة من رأسها:
-طبعًا يا "خليل".
في حين علقت "حمدية" بحماسٍ مريب مستخدمة يدها في الإشارة:
-ومهما كان اللي حصل الدم عمره ما يبقى مياه، ولا إيه يا "أبو العيال"؟
أيدها الرأي قائلاً:
-مظبوط .. ومسيرنا كنا هنتصالح.
تحفزت "حمدية" في جلستها، ومالت نحو أخت زوجها تؤكد بقوةٍ وكأنها صاحبة الفضل في فض الخصام بينهما:
-أيوه، هو إنتو ليكو إلا بعض ياختي؟ ربنا يبعد عنكم الشيطان.

ابتسمت لها في امتنانٍ، ثم أدارت رأسها في اتجاه شقيقها تشكره:
-ربنا يخليك ليا ياخويا، ومايحرمنيش منك أبدًا.
أضافت "حمدية" في خبثٍ وابتسامة سخيفة باردة متشكلة على شفتيها:
-وإن كانوا البنات غلطوا فيا، فأنا مسامحة في حقي، دول زي إخواتي الصغيرين، مش هاقول عيالي عشان أنا لسه صغيرة ..

ثم أطلقت ضحكة لزجة وكأنها قالت دعابة من المفترض أن يكركر عليها الجميع بهيسترية، لكن لم يضحك أحدهما، فأطبقت على شفتيها لاوية ثغرها قليلاً. تنهد "خليل" معلقًا بعد أن تنحنح:
-طول عمر قلبك طيب يا "آمنة"، زي أمنا الله يرحمها، كانت بتحب الناس كلها وعمرها ما شالت من حد.
لمعت عيناها نوعًا ما تأثرًا بذكراها العطرة، ورددت بخفوتٍ في تضرعٍ راجٍ:
-الله يرحمها ويجعلها في الفردوس الأعلى.

تناول "خليل" رشفة أخرى من فنجان قهوته، ثم تركه على الطاولة البيضاوية التي تنتصف الغرفة ليهب واقفًا وهو يختم تلك الزيارة اللطيفة الودية:
-لو عوزتي حاجة ياختي تعاليلي في أي وقت، بابي مفتوحلك
نهضت واقفة تحملق فيه بعينين مليئتين بالحنو والمحبة، وردت عليه قائلة:
-تعيشلي يا رب، ده إنت اللي باقي لي من الحبايب.

ربت على كتفها برفقٍ وهو يودعها بالمزيد من العبارات المستهلكة على الأذن، لكن لها مفعولها العجيب على النفس، شعر "خليل" بالانتشاء يغمره، وارتسمت ابتسامة انتصارٍ على محياه اللثيم، حيث أدت طريقته الجديدة لنتائج باهرة ونجح في استقطابها إلى جبهته لتغدو مرة أخرى طوع بنانه وتحت إمرته، حتى إن أمعن لاحقًا في الضغط عليها للموافقة على أحد الأمور لأظهرت استجابتها الفورية له ولم تقاوم رغباته الطامعة.

نوبة حب رائعة عاشتها خلال تلك اللحظات المحدودة انتقلت فيها لعالم مشبع بالمشاعر الدفينة التي تحتاج ليد الخبير لإظهارها على السطح، أرخى قبضتيه عن وجهها فتحررت من حصاره الحابس للأنفاس، لكن بقيت آثار أصابعه على وجنتيها اللاتين تضرجتا بحمرة ساخنة، أخفض "تميم" ذراعه ليمسك ب "خلود" من كفها، جذبها برفق نحو الفراش وأجلسها على طرفه، ثم جلس إلى جوارها، شهيق طويل سحبه إلى صدره ثم لفظه بتمهلٍ، وكأنه بذلك يستحضر ما سيقوله بعد ذلك. اكتسبت نبرته عمقًا عكس جدية ما قاله حينما استطرد:
-شوفي يا بنت خالتي، قبل ما نبدأ حياتنا سوا، عاوزين نتفق على كام حاجة عشان حياتنا تمشي من غير مشاكل.

هزت رأسها بالإيجاب وهي تنصت له باهتمامٍ، فتابع:
-أنا طول عمري دوغري في كل حاجة، لا بأحب اللف ولا الدوران، ولا كلام الضحك على الدقون، كلمتي زي السيف مع أي حد، وحتى مع أهل بيتي، اللي إنتي بقيتي دلوقتي منهم
-تمام.
شدد عليه بلهجته الجادة ودون أن يرف له جفن ليبدو صارمًا نوعًا ما فيما يقوله:
-أي حاجة تحصل بينا هنا، حلوة أو وحشة، مشاكل أو اتفاقات، يا ريت تفضل بينا ما تطلعش برا!
أجابت دون تفكير:
-حاضر يا حبيبي.

تابع في لهجة جمعت بين الصرامة والنصح:
-أنا عاوزك تكوني الأمان بالنسبالي، وزي ما أنا مش هاسمح لحاجة تضايقك، إنتي كمان بلاش تخلي حاجة تزعلني منك.
هتفت تعقب عليه دون ترددٍ:
-أنا مش هاعمل غير اللي يسعدك وبس.
ابتسم لها بعذوبة، ثم أكمل بنبرة عقلانية حتى تتضح الصورة كاملة:
-وارد يحصل بينا مشاكل، أتمنى ساعتها محدش يعرف بيها، وخصوصًا أمي وأمك.

كان شاغله الأكبر خالته الثرثارة، التي لا تتوانى أبدًا عن خلق المشكلات من توافه الأمور وتعظيمها، وخاصة أنها تقف الند بالند له ولعائلته بسبب هاجسها الخاطئ، خشي أن تنزعج "خلود" من طلبه، أو حتى تعارضه، لكنها خالفت توقعاته حينما أكدت عليه بصدرٍ رحب:
-حاضر، وعشان تبقى عارف أنا مش نقالة للكلام!

صحح لها جملته حتى لا تسيء فهمه:
-وأنا مقولتش كده، أنا بس مابحبش حد يتدخل في حياتي أو يفرض عليا رأيه، أو حتى أبرر تصرفاتي ليه.
هزت رأسها ترد:
-معاك حق، محدش كمان بيسيب حد في حاله يا حبيبي.
أوضح "تميم" أكثر وهو يومئ برأسه:
-بالظبط، والموضوع الصغير هايكبر ويبقى حكاية، واحنا في غنى عن ده كله.

ابتسامة رقيقة احتلت صفحة وجهها الناعم وهي تقول له عن طيب خاطر وبمحبة لا حدود لها:
-خلاص يا حبيبي، كل اللي إنت عاوزه أنا هاعمله وأنا مغمضة عينيا.
وضع "تميم" إصبعيه على طرف ذقنها يداعبه في رقة قائلاً لها بنبرة عميقة عبرت عن شخصيته الرجولية وشهامته الكبيرة:
-ربنا يخليكي يا حبيبتي، وليكي عليا أعاملك بما يرضي الله، لا هاقل أدبي، ولا هامد إيدي عليكي، بس إنتي راعي ربنا فيا.
مالت برأسها للجانب لتستند بوجنتها على راحة يده، ثم همست له بدلالٍ:
-ده إنت أغلى ما في حياتي.

ابتسم لها ممازحًا:
-أنا عاوزك كده على طول، رقيقة وهادية، بلاش تقفشي ولا أشوف جنان البنات
ردت بوجه مدعي العبوس:
-أنا مش مجنونة، أنا بأغير بس عليك
-ماشي يا ستي، وبالله عليكي ماتحاوليش تضايقني وأنا متعصب، سبيني أهدى وبعدين نتكلم
ردت وضحكة عابثة تتلاعب على شفتيها
-عندك حق في دي، لأحسن زعلك وحش أوي، وأنا مش أد
قال مؤكدًا:
-أيوه، ببقى غبي بجد!

انتهى "تميم" من فرض ما بدا أشبه بالتعليمات عليها قبل أن يهب واقفًا، تطلع إليها بنظرة مطولة تجوب على زينتها الرقيقة وجمال جسدها الممشوق في ثوب الزفاف، أشاح بوجهه قائلاً بنحنحة خفيفة:
-أنا هاغير هدومي برا وأسيبك هنا تلبسي براحتك.

شعرت "خلود" بتقلصات خفيفة تضرب معدتها بعد جملته تلك، لوهلةٍ أصابها الوجوم كما لو كانت قد تلقت صدمتها الأولى، لم يكن ذلك مثل ما خططت له في مخيلتها، أليس من المفترض أن يتلهف عليها ويحترق شوقًا لضمها إلى أحضانه وتأملها بما خف وقل من الثياب؟ أفاقت من دهشتها المؤقتة والمستنكرة حينما بادر مبررًا بابتسامة صغيرة قاصدًا أن يخفف من توترها الطبيعي في هذا الموقف الحرج وغير الاعتيادي:
-أنا عارف إن البنات بتتكسف في اليوم ده .. فعشان ماتتحرجيش مني وآ...

قاطعته بنبرة مختنقة نسبيًا وقد امتدت يدها لتقبض على معصمه حتى يظل واقفًا في مكانه:
-أنا عاوزاك معايا.. ماتسبنيش!
بدا صوتها أقرب للرجاء عن أي شيء آخر، تطلع إليها في اندهاش بعد أن تركزت أنظاره في البداية على كفها الممسك به، ثم تنهد قائلاً لها بهدوءٍ:
-لو ده اللي إنتي عاوزاه، فأنا معنديش مانع
عللت رغبتها في وجوده بعفويةٍ، وكأنها بذلك تزيح ثقلاً كئيبًا كان جاثمًا على صدرها:
-إنت مش متخيل أنا استنيت اليوم ده أد إيه، أكتر من 7 سنين يا "تميم" بأحلم إني أكون جمبك ومعاك، عيشت تفاصيل كل لحظة فيها بخيالي، وبقيت بأصبر نفسي إنك في النهاية هاتكون ليا.

مَسَّت كلماتها المفعمة بمشاعرها الصادقة قلبه، فرفع راحته ووضعها على وجنتها ليشعر بنعومتها المغرية على جلده، داعبها بإبهامه، وطالعها بنظرة ممتنة مليئة بالود والألفة، ثم دنا منها بشفتيه ليطبق على خاصتها وقبلها من جديد بقبلة أشد عمقًا ضاعفت من لهيب الشوق والرغبة، استسلمت لما يبثه فيها من مشاعر محفزة لتعيش معه أحد أهم أحلام يقظتها، ولكن على أرض الواقع!

أمسكت بفرشاة تنظيف الثياب الخشبية، ونفضت العالق من الأتربة والشوائب الصغيرة عن جلباب زوجها الذي ارتداه في تلك الليلة قبل أن تعلقه على الشماعة ليحصل على التهوية الجيدة ومن ثم تغسله حينما يتسنى لها الوقت لفعل ذلك لتعيده بعدها في مكانه بالدولاب. انحنت "ونيسة" بتمهلٍ لتمسك بالحذاء وتضعه في مكانه قائلة بفرحة صادقة وابتسامة عريضة تغزو صفحة وجهها الضاحك:
-أما كانت ليلة يا حاج، مافيش بعد كده! حاجة تِشرح القلب بصحيح!

هز "بدير" رأسه في استحسانٍ وهو يتمدد على الفراش ليريح جسده المنهك من عناء مجهود اليوم، ثنى ركبته اليمنى إلى صدره، وأراح ظهره للخلف، ثم قال لها:
-الحمدلله، المهم يكون الكل اتبسط ..
ردت بعبوسٍ زائف وقد وضعت يدها أعلى منتصف خاصرتها:
-هو حد يقدر يتكلم بعد اللي عملته يا حاج؟!
ثم ما لبث أن ارتخت ملامحها حينما أضافت بتفاخرٍ:
-ده ليلة "تميم" هيتحكى عنها لشهور قدام
رد باقتضابٍ:
-ربنا كريم.

لانت نبرتها أكثر وهي تضيف ونظراتها مرتفعة للسماء:
-الحمدلله إنك مديت في عمري يا رب عشان أشوف ابني وهو بيتزف لعروسته.
استطرد مضيفًا بابتسامةٍ صغيرة:
-ده أبويا كان فرحان بيه أوي، تحسي إن الدموية ردت في وشه لما شافه
قالت بنبرة مزهوة:
-لازمًا يفرح بيه، مش حفيده البكري، ربنا يديه الصحة
-يا رب.

التفتت "ونيسة" نحو الشفونيرة لترص ما طوته من ثياب نظيفة عليها، استرعى انتباهها الدرج العلوي المفتوح قليلاً، ضاقت نظراتها نحوه متفحصة إياه دون أن تلمسه، ورددت متسائلة في اندهاشٍ كبير، وكأنها تفكر بصوتٍ مسموع:
-هو إنت يا حاج نسيت الدرج ده مفتوح؟
استدار برأسه نحوها يسألها:
-أنهو درج؟
امتدت يدها لتشير إليه قائلة بتلقائية مما شد انتباهه بالكامل:
-الدرج ده يا حاج.
اعتدل "بدير" في جلسته المسترخية وأخفض ساقه ليقول نافيًا:
-محصلش.. وريني كده.

ثم هب واقفًا على قدميه واقترب من الشوفنيرة ليدقق النظر في الدرج بعد أن تنحت زوجته للجانب، اكتشف كسر القفل الخاص به، وهرع يفتحه ليجد مفاجأة صادمة في انتظاره، حيث كان خاليًا من الأموال التي احتفظ بها بداخله، حلت أمارات الحنق على تعابيره المجهدة، وغطى الغضب الجم نظراته كليًا، التفت كالمسلوع نحوها يسألها بحدةٍ:
-الفلوس اللي هنا راحت فين؟

على الفور هتفت "ونيسة" ترد لتدافع عن نفسها وتنفي تلك التهمة عنها:
-والله ما أعرف يا "بدير"! أنا مشوفتش حاجة، وإنت بنفسك اللي بترص فلوسك في الدرج.
صاح في عصبيةٍ شديدة وهو يعتصر ذهنه محاولاً التفكير فيما حدث لتلك النقود أو حتى أين أنفقها:
-أومال راحوا فين؟
هزت كتفيها تجيبه:
-معرفش.

حك "بدير" رأسه في ضيق متعاظم، ولكن ما لبث أن تذكر شيئًا، الأموال الأخرى الموضوعة في الدرج السفلي، ذاك المبلغ الضخم الذي ما زال محتفظًا به ريثما يرسله للبنك، امتدت يده عفويًا لتسحب الدرج، لكنه وجده موصدًا فأشعره ذلك بالارتياح، زفر قائلاً بصوتٍ خفيض خفف بنسبة قليلة من حنقه:
-الحمدلله.

التفت عائدًا للخلف ليمسك بمفاتيحه المسنودة على الكومود، وأسرع نحو الدرج وقام بفتحه، قليل من الارتياح تسرب إليه، ومع هذا هتف بصوته الأجش الحانق:
-الحرامي ابن ال ... مخدش باله من الدرج ده، كان فيه يجي فوق ال 100 ألف جنية وأكتر محطوطين هنا.
شاركته التعليق:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب
ثم غلف الخوف نبرتها وهي تُعاود سؤاله:
-بس مين هيتجرأ ويسرقنا يا حاج؟
تطلع إليها في حيرة قبل أن يجيبها:
-مش عارف!
رددتت "ونيسة" في ذعرٍ وهي تتلفت حولها بنظرات مرتعدة:
-لأحسن يكون الحرامي لسه مستخبي هنا ولا هنا.

وكأنها بعفويتها قد نبهت زوجها إلى خطورة ذلك، تحرك على الفور إلى خارج الغرفة بعد أن جذب عكازه ليستخدمه في الدفاع عن نفسه وضرب السارق إن وجده، جاب "بدير" غرف المنزل يفتش في كل زاوية وركن وأي مكان يحتمل أن يختبئ به، لكن لا أثر له، العجيب في الأمر أنه لم يعرف بعد كيف اقتحم المنزل، وكيف قام بالسرقة مما ضاعف من فضوله وتساؤلاته، حاول كذلك خلال بحثه عنه ألا يزعج والده الكهل الذي استغرق في نومه بعد مشقة اليوم إلى أن يحل الصباح فيطلعه على الأمر، ومع هذا تأكد من خلو غرفته منه.

ظلت أطراف "ونيسة" ترتجف بالرغم من بحث زوجها المتأني عن اللص، وبقي إحساس الخوف متغلغلاً في أعماقها، لحقت ب "بدير" كظله ولازمته حتى توقف عن التفتيش، ابتلعت ريقها وقالت بصوت مهتز ينطق عن هلعها:
-أنا خايفة أوي يا حاج.. تفتكر ال .. الحرامي ممكن يرجع تاني؟
علق في استهجانٍ شديد، ونظراته امتلأت بالغيظ:
-ده يبقى غبي أوي، هو خلاص خد النهيبة وخلع!
سألته مستفهمة:
-طب هتبلغ البوليس ولا هنتصل ب "تميم" نعرفه؟

أجابها مستنكرًا آخر جملتها:
-وده كلام يا "ونيسة"؟ نتصل بابنك ليلة فرحه نقوله إلحق اتسرقنا؟ انسي الكلام ده خالص، "تميم" مش هايعرف دلوقتي، مفهوم
-طيب..
-خليني أفكر هاعمل إيه.
عادت لتسأله في إلحاحٍ:
-يعني هتكلم البوليس؟
رد نافيًا:
-لأ مش هاطلب أي حد!
اقترحت عليه بعفوية:
-طب وجوز بنتك؟
ردد بوجهٍ ممتعض:
-"محرز" ده لا بيحل ولا بيربط، هيعملي زيطة على الفاضي.

-أومال هتعمل إيه يا حاج؟
-لسه مش عارف.
قالت "ونيسة" بصوتها المرتجف:
-أديلنا زمن من يوم ما سكنا في الحتة ماحد عمره هوب ناحيتنا ولا فكر يسرقنا
أيدها الرأي قائلاً:
-معاكي حق.
-أول مرة تحصل الحكاية دي، الظاهر ولاد الحرام كانوا مراقبينا.
-الله أعلم.
انكمشت "ونيسة" على نفسها تقول له:
-بس أنا خايفة أوي يا حاج.
حاول طمأنتها فقال لها بهدوءٍ بالرغم من الثورة المستعرة بداخله جراء ما حدث:
-ماتخافيش يا "ونيسة"، أنا هتصرف..

أومأت برأسها عدة مراتٍ وتبعته أينما ذهب، ولم يعلق هو عليها، كان متفهمًا لخوفها الغريزي، إلا أنه كان عكسها يغلي من داخله، عاد ليفحص باب المنزل في دقةٍ عله يجد آثار الاقتحام، لكن لا شيء، انشغل تفكيره في اكتشاف طريقة دخول اللص للمنزل، امتلك "بدير" من الفراسة والخبرة الحياتية العريضة ما يجعله مؤهلاً لتحليل الأمور بشكلٍ منطقي، والوصول لنتائج واستنتاجات هامة. فرك طرف ذقنه في حركة ثابتة، وقال بصوتٍ خفيض:
-القفل مش مكسور، والباب زي ما هو.

علقت في سذاجة:
-يكونش الحرامي معاه مفتاح البيت؟
قال مستنكرًا محدودية تفكيرها:
-ليه كنت مديله نسخة وأنا مش دريان؟
زمت شفتيها معقبة عليه:
-أهوو اللي جه في بالي!
فكر "بدير" بعمقٍ مشاركًا زوجته ما يدور في رأسه:
-الحرامي ده عارف هيسرق إيه بالظبط، ولو كان دور كويس، كان شاف الفلوس التانية
-مظبوط.
-أنا حاسس كده إن الموضوع ده مخرجش برا حد نعرفه.
سألته مستوضحة:
-قصدك مين؟

نظر لها بغموضٍ وقد بدا وجهه صارم التعبيرات، التزم الصمت رافضًا البوح بما يراود عقله من هواجس وشكوك تدفعه للتفكير في شخصٍ بعينه...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الآراء والتعليقات على الرواية
W