قصص و روايات - قصص رائعة :

رواية أشلاء للكاتب علي اليوسفي الفصل السابع والعشرون

رواية أشلاء للكاتب علي اليوسفي الفصل السابع والعشرون

رواية أشلاء للكاتب علي اليوسفي الفصل السابع والعشرون

استفاق براء صباح اليوم التالي وهو يشعر بأن قطاراً اقتحمه حرفياً، وجد نفسه يفترش الأرض في غرفة جواد ومُدثراً بغطاءٍ سميك، عقد حاجبيه بريبة لثانية سرعان مابدأت ومضات سريعه من ليلة أمس تظهر أمام عينيه كأنها شريطٌ سينمائي.

اعتدل في جلسته ليشعر بجسده يصرخ من الألم، تطلع إلى الأريكة أمامه فوجد بعضاً من الملابس النظيفة الخاصة بجواد، تحرك ببطء ليأخذ الثياب مُتجهاً نحو الحمام لينفض آثار الليلة السابقة عن جسده.
نظر إلى المرآة المُثبتة في الحمام ليرى كمّ الكدمات والجراح التي طبعتها يدُ جواد على وجهه، تنهد بوهنٍ وهو يُطالع مُحياه المُشوه، كم شعر أنه ينظر إلى النسخة الحقيقية منه، هو هكذا من الداخل مُشوهاً نازفاً.

أغمض عينيه بتعبٍ شديد مُبتعداً عن المرآة ليقف تحت صنبور المياه، تاركاً الماء يجري على جسده بانسياب.
خرج بعد قليل وقد ارتدى الثياب النظيفة وطهّر جراحه، فتح الباب برفق لتقابله روائح شهية حفزت معدته الفارغة منذ إفطار أمس.
مشى بحذر نحو المطبخ ليجد جواد هناك يحضر الإفطار.

لم ينتبه جواد له فقد كان يغني بصوتٍ عال وكم كان صوته مُزعجاً للآذان، تقدم براء نحوه مُبتسماً من منظره المُضحك وهو يقوم بحركات غريبة مُندمجاً مع كلمات الأغنية الأجنبية التي كان يُدندنها.
تأمله لثوان ولم يره جواد بعد، فقطب جبينه بانزعاج مُصطنع ليصيح به بهدوء ساخر: نشاااز.
انتبه له أخيراً ليتطلع إليه باستغراب بينما أضاف براء بتهكم وهو يحرك رأسه للجانبين: صوتك نشاز للغاية ومُزعجٌ للآذان.

قهقه جواد من كلماته ليجيب ساخراً: ماذنبي إن كانت أذنك غيرُ طربية؟
شرد براء في وجهه مُتأملاً تلك الجراح التي سببها له، فعقد حاجبيه بضيقٍ حقيقي مُردداً: أنا آسف جواد.
لم تغب الابتسامة عن وجه جواد عندما أجابه: لا عليك براء.
ثم أردف بمرح: على الأقل امتحنتُ قدراتي في العراك.
ابتسم براء بخفه وهو يمشي ناحية الكرسي ليجلس عليه قائلاً بتهكم: نعم، وقد اتضح أنك فاشلٌ تماما.

رفع حاجبيه بدهشة مُصطنعة صارخاً باستنكار: فاشل؟!
ثم أخفض صوته وهو ينحني باتجاهه مُضيفاً: هل نظرتَ إلى وجهك في المرآة هذا الصباح؟
قهقه براء مُردفاً وهو يتلمس وجهه: هذا لاشئ مُقارنةً بوجهك.
ثم أضاف بمزاح: انظر إليه إنه أشبه بصحن سلطة، نظراً لكثرة الألوان فيه.
ضحك كلاهما بمرح ثمّ بدأ جواد برصّ أطباق الطعام على الطاولة ليسأله براء: إذاً أين والدانا؟ ألم يستيقظا بعد؟

أجاب حواد وهو يناوله رغيفاً من الخبز: لا، والدانا لم يعودا، فقد قضيا ليلة أمس في مزرعة السيد نزار.
ثم أضاف بمزاح: يبدو أنهما رغبا بتجديد شهر عسلهما بعيداً عنا يا صديقي.
ضحك على كلمات جواد المازحة، ليشرعا في تناول الطعام.
انتهيا بعد مدةٍ من تنظيف الأطباق ليسأل براء بجدية: هل تودّ بعض القهوة؟
فصرخ جواد بفزعٍ مُصطنع: لا أرجوك، انا من سيصنعها.

استدار نحوه باستغراب ليضيف مازحاً وهو يغمزه: لا أريد شربها بطعم الفلفل هذه المرة.
ضحك براء من قلبه هذه المرة، فقد كان جواد ذو روحٍ خفيفة تداويه من أحزانه كالبلسم الشافي.
اتجها نحو البهوِّ الصغير ليجلسا هناك، أسند براء كوبه إلى الطاولة وجلس على كرسيه مُتخذاً وضعيته المُعتادة.

كان يوسف يزدرع غرفته المُخصصة في قصر عمار ذهاباً وإياباً وهو يفكر في أي مكان مُحتمل قد يخبأ فيه عمار تلك الحقيبة اللعينة.
الأمر لم يعد يحتمل التأجيل، أن يتصل به رئيسه المباشر في تلك المافيا يعني أن صبرهم بدأ ينفد، وماهي إلا أيام حتى يجتمع المجلس الأعلى للجماعة ليأخذ قراراً بشأن الحقيبة، ربما هو لايعرف ماستكون تلك القرارات لكنه على يقين تام بأنها لن تصبّ في مصلحته أبداً.

نفخ بضيق شديد وهو يعتصر عقله، لم يترك مكاناً يخطر على بال الإنس والجن إلا وقد بحث فيه، في مكتب عمار في الشركة وأيضاً مكتبه وغرفته في القصر، منزل ومكتب محاميه ومنزل سيمون، حرفياً لم يترك مكاناً لكنه لم يجد أي أثر لها.
وقف فجأةً وقد التمعت في ذهنه خاطرةٌ ما، عليا هي الوحيدة التي تستطيع مساعدته، لكن كيف السبيل للوصول إليها مادام براء يفرض حصاراً خانقاً عليها؟

ضغط على شفتيه بغيظ وقد التمعت عيناه بشرّ، ذلك البراء ليس سهلاً أبدا، خاصةً بعد أن هاتفه جاسوسه في المشفى ليخبره بما رآه من دخول براء إلى مكتب مدير المشفى بعد وفاته، ومااتبعها من تحقيق مع المتواجدين حينها وأيضاً مُحاولته الوصول إلى صاحب الرقم الذي هاتف المدير وخدعه ليخرج من المشفى.

جلس على الكرسي خلفه وهو يهمس لنفسه بغلّ: فعلاً كما وصفتك عليا، ثعلبٌ ماكر وذكيٌّ للغاية براء، حاولتُ إبعادك عن القضية لكنني لم أنجح، أرسلتُ من يقتلك ففشل أيضاً.
سحب نفساً عميقا زفره ببطء وهو يضيف: لكن لا، لن تربح هذه المرة أيضاً، لن أقف مكتوف الأيدي وأنتظرك لتصل إليّ.
سحب هاتفه ليطلب رقم إحدى الجهات السيادية، وهو لاينتوي خيراً على الإطلاق...

قاد سمير سيارته متجها نحو القسم، بعد أن أنهى غداءه الممتع مع ملك، كان يبتسم بإشراق وهو يتذكر ماحدث بينهما في تلك اللحظات.

Flash Back.
أنهى سمير غداءه قبلها لكنه لم يُبين لها ولم يخبرها، فلم يكن يريد أن يخسر فرصة مشاهدتها وهي تتلذذ بطعامها، وتُصدر أصواتاً تعبر عن استمتاعها الكبير بوجبتها.
لقد أنهت طبق البيتزا الذي طلبه بالكامل بنهمٍ غريب، فهي لم تتناول شيئاً على العشاء و وأيضاً لم تتناول إفطارها ولم تنتبه لجوعها الشديد حتى رأت الطعام.

وضعت ملك أخر قطعةٍ من البطاطا المقلية في فمها ورفعت رأسها أخيرا، تنفست بعمق وماتزال تمضغ تلك اللقمة الأخيرة، اتسعت عيناها بصدمة عندما لاحظت وجوده أمامها كأنها نسيت وجوده فعلاً.
ابتلعت مافي فمها بصعوبة عندما رأت ابتسامته العابثة المرتسمة على شفتيه، حمحمت بارتباك وهي ترفع كأس الماء لترتشف القليل منه كطريقة لإخفاء حرجها، لكنه لم يمهلها الفرصة لذلك فهمس ساخراً: لقد بقيت بعض القطع في طبقي آنسة ملك!

أضحى وجهها كحبةِ طماطم من شده حرجها، لكنها لم تظهره له ولتخرج من هذا الموقف هاجمته قائلةً بحاجبين مُنعقدين: مادمتُ أنا من سيدفع ثمنه فلا حق لك بالحديث.
لايُنكر أنها فعلاً أثارت دهشته من ردها العجيب وانقلابها المُفاجئ، ولم تعطه الفرصة ليفيق من صدمته فرددت بثباتٍ غريب وهي تشبك يديها أمامها: والآن هلا أخبرتني من فضلك بكم أدينُ لك لقاء تصليح السيارة؟

رمشت عيناه لعدة مرات ولم يجب، الحقيقة أنه لم يعد يعرف بما يجيبها وقد بعثرت كلماته و ألجمت لسانه بلسانها السليط!
انقذه رنين هاتفها وكان المتصل مديرها المباشر في الشركة يخبرها بضرورة عودتها إلى الشركة حالاً..
أغلقت الهاتف مع مديرها لتعود إليه وتكرر سؤالها على مسامعه.
استعاد ثباته ليقف مُتجاهلاً سؤالها مُردداً: يجب عليكِ العودة إلى الشركة آنسة ملك.

حسناً الواضح أنهما يلعبان لعبةً ما هنا أشبه بلعبة المطاردة.
رمشت عيناها بذهول لكنها سرعان مااستعادت السيطرة على انفعالاتها، فوقفت قبالته لتكتف يديها أمام صدرها قائلةً بإصرار عنيد: سأذهب بالطبع، بعد أن تخبرني بالمبلغ.
الآن اقتنع فعلاً أنها أشدّ عناداً منه، هز رأسه بيأس ونفخ بضيق، ثم تحرك من مكانه مُتجاهلاً إياها ليخرج من المطعم بأكمله.

ابتسم بمكر وهو يتخيل ردة فعلها عندما تعلم أنه هو من دفع فاتورة الغداء.
طالع شاشة هاتفه بابتسامةِ تسلية وهو يرى رقمها، فعلم أنها ستوبخه على ما فعل، بل وقد تنفجر فيه غضباً، لذا تجاهل اتصالها عمداً.
رنّ هاتفه مرةً أخرى، اختفت ابتسامته وهو يرى اسم مؤمن على الشاشة، زوى مابين حاجبيه وهو يجيبه ليخبره مؤمن بخروج براء من عند عليا وهو في حالٍ مخيفةً من الهياج والغضب.

أغلق الهاتف من جديد ليضغط على دواسة الوقود مُشرعاً إلى القسم، فهو يعلم أن براء لن ينزع قناع البرود مالم يكن هناك خطبٌ ما.

قضت أميرة معظم نهارها في غرفتها، لم تخرج منها أبدا فقد كانت ترتب خطواتها القادمة لتعود إلى إدارة الشركة، لكن هذا لن ينفع مالم تتعلم كيفية فعلها، ربما تعلمت من والدها بضعة أمورٍ، لكنها شعرت بأنها لم تعد تفقه شيئاً مما تعلمته.
بينما هي كذلك دخل إليها يوسف راسماً على وجهه ابتسامة باردة، تقدم حتى وقف أمامها ثم جلس بجوارها على الأريكة، ليتمتم لها: ماذا تفعلين أميرة؟

حركت كتفيها بلا مبالاة مُجيبةً: لا شئ جو، أُرتب خطواتي القادمة فقط.
هز رأسه موافقا ليتابع دون أن تهتزّ ابتسامته ليسألها: إذا أخبريني، ما رأيك لو أننا خرجنا في رحلةٍ ترفيهية؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم فأردف؛ أقصد أن نخرج لنقضي يوم. غدٍ خارجاً بدل أن تبقي هنا، ها ما رأيك؟
لاتعرف لما انتابها القلق من عرضه هذا، بينما هو كان يطمح لأن يبعدها عن القصر ليبحث في غرفتها علّ عمار فكر في أن يخفي الحقيبة هنا.

أجلت حلقها لتقول: أنا آسفة جو، ولكنني قررتُ أن أذهب إلى شركة والدي لأديرها، وكذلك لدي جامعتي لذا، انا آسفة.
رغم امتعاضه لرفضها لكنه سُعِد بنبأ عزمها على الابتعاد عن القصر ليبحث براحته.
ابتسم باصطناع ليومأ لها برأسه ثم تحرك من أمامها ليحسب خطواته القادمة، تاركاً إياها تفكر في غرابة تصرفاته وشعورٌ غير مريحٍ أبداً بدأ يتسلل إليها.

منذ عودته من المستشفى دخل إلى مكتبه فلم يغادره، بل وأمر بعدم إزعاجه أيضاً. اقترب الليل من انتصافه وهو مايزال على وضعيةٍ واحدة، يتوسد الأريكة ناظراً إلى السقف ويكتف يديه على صدره، لم يتحرك ولم يرمش بعينه حتى أتته طرقات على الباب، زفر بعمق مع دخول سمير إليه وهو يتفحصه بتمعن.
وقف سمير قبالته ليسأله بجدية: كيف حالك براء؟

تطلع إليه بنظرات خاوية دون إجابة لثوان، اعتدل في جلسته فجأة ليمسح وجهه بيديه هامساً: هل فعلتَ ما طلبته منك سمير؟
تنهد بخفه مجيباً: تقصد جهاز التتبع؟ بالطبع لقد تم وضع واحد في سيارة والدتك.
حرك رأسه متفهما وقبل أن يضيف حرفاً آخر دخل إليهم مدير الأمن الجنائي، انتصب براء واقفاً وشدّا ظهريهما وأديا التحية العسكرية.
توجه المدير إلى براء ليسأله بجدية: أخبرني براء إلى أين وصلتما في القضية؟

تبادل مع سمير النظرات المترددة ليجيب باحترام: سيدي لقد اعترفت المتهمة عليا حداد بأنها من ارتكب الجريمة، لكنها ترفض الاعتراف بشركائها.
عقد المدير حاجبيه ليضيف: هل اعترفت لك أن لديها شركاء؟
أومأ بالنفي ليردف المدير: إذاً فالقضية منتهية.
نظر إليه ليسأله: ماذا تقصد سيدي؟
اجابه ببساطة: سيادة الضابط مادامت المتهمة قد اعترفت إذاً فلتقفل القضية.

رد براء بحدة طفيفة: مستحيل سيدي لا نستطيع، وإلا فإن شركاؤها سيفلتون بفعلتهم!
حدجه المدير بنظرة غامضة قبل أن يتحدث بتفهم: أنت لاتعرف حجم الضغط الذي أعاني منه براء، ولا تعرف أيضاً كم الاتصالات التي تلقيتها منذ ساعتين فقط لأنهي هذه القضية وتقديم الجانية للعدالة، وأنت لا دليل لديك على وجود شركاء لها في جريمتها أساساً.

-حاول براء أن يسيطر على نفسه فتحدث بتعقل: سيدي، لقد قاموا بإرسال رسالة تهديد إلى منزلي، كما أنهم قتلوا سيمون وحازم وأيضاً قتلو الرجل الذي درّب ذاك الشاب الذي حاول قتلي، هذه كلها ليست مجرد صدف ابداً.
بدى المدير فعلاً تائهاً ليردف براء محاولاً إقناعه: عليا هي الوحيدة التي ستوصلنا إليهم سيدي أؤكد لك، فهي على معرفةٍ شخصية بالمدعو الكوبرا والذي أعطى الأمر المباشر بقتلي.

جلس المدير على الأريكة التي كان يجلس عليها براء فقال بنبرة ليّنة: اسمع بني، أنا أعلم أنك من أكفأ ضباط التحقيق عندي، ولكن سبق وأخبرتك هناك كثيرون ممن يتصلون بي ليطلبوا إما تنحيتك أو إنهاء القضية، وأنا فعلا لاأعلم مالسبب؟ أضف إلى هذا أنها لم تعترف على شركائها إذاً فإن كل ماذكرته لايعتبر دليلاً.
أجابه برجاء: سيدي أرجوك أمهلني يومان فقط، وأعدك أنني سأعرف شركاؤها.

طالعه مديره للحظات قبل أن يقف أمامهما، وضع يديه في جيبه وهو يرمقهما بحاجبين معقودين، زمّ فمه بتفكير بينما كان براء يخشى أن يرفض فتضيع عليه فرصة معرفة ذراع تلك المافيا هنا، وخاصة الكوبرا ذاك.
مرّت عدة لحظات قبل أن ينطق المدير: وأنا موافق.
ارتخت تعابير وجهه بانتصار ثم أردف المدير بتحذير: يومان فقط، لن أستطيع المماطلة أكثر.
شدّ ظهره ليؤدي التحية العسكرية بابتسامة مقتضبة صائحاً: أمرك سيدي.

ربت على كتفه هامساً له بدعم: أنا أثق فيك براء، وسأدعمك طالما باستطاعتي ذلك.
خرج المدير من المكتب ليتنفس سمير الصعداء أخيراً، جلس على الأريكة يراقب تعابير براء بحذر، ليسأله: مالذي تنتوي فعله براء؟
نظر إليه براء بنظراتٍ شاردة مجيباً: غداً سنعود من حيث بدأ كلّ شئ.
لم يفهم سمير مقصده ليضيف: سنعود إلى قصر عمار.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة
الإعجاب، المشاركة والتعليقات على الرواية
W
لتصلك الفصول الجديدة أو الروايات الجديدة
اعمل متابعة للصفحة (اضغط لايك للصفحة)